أخبار عاجلة

جب البوح

أنفا بريس  : بقلم  / هند بومديان

غريب جدا هذا العام، مازلت أرى فيه غيابي بين النجوم، و حول الغيوم، و لم أعد أخاف فيه من عثرات بوحي.
أدُسّ بين ثناياه حروفا من صواع الحنين،  كي لا يكتم صرخات موتي ، و أنا الغارقة في بئر مأساتي، كعطر مبعثر يلفني بعد طول انتظار، و كلما امتلأت رئتاي منه، تناثر   غبار الغياب، ف يداهمني طين الشوق مني  إلي، و  من  كل الجوانب، و لا صدى للآهات تصلني منه، و لا دروب توصلني إليه.
و جل الأفكار تتلاعب بملامحي ،وسط زحام الخيبات، و ظنوني تسافر بروحي للسماء الثامنة، و أنا ك الخيال العابث أرسم الدنيا مبتسمة فتسقط على خديها دمعة حزينة.
لأخاطب الأمس،
و أنا اليوم،
و أنا الغد،
و كلّ الأزمنة.
أبدو و أنا بهذا العمر الآن، كمن يهفو إلى غيابي، و ضياعي، أن هزي يا أنا عقارب الساعة، ثم حركي رياح القدر ، و  اقتلعي أثمن الأشياء من غصن الزمن الهزيل، ربما أجد عمري و ما تبقى من حلم.
و أمضي كأني لا أعي من أكون، و أرسم لموتي دربه ، فهذا نصف الطريق للسعادة.
لحظة يا أنا ، انتبهي إلى همس العواطف، إلى وشوشة الصمت، و هو يماشي جدائل الفرح تحسّسي دفئا يزهر في الظلام ، فيحمل الحاضر على أمواج بحر غارق في الحلم، لا تبكي الليلة فقط كوني بأبهى حلة إنها اللحظات الفارغة تنكسر، و كفى.
كبلت عيوني على ملامح الوقت، و رسمت في ظلال الشمس نورا لطيفي، و عطرته بعبق التوليب، لأظل كنوارس مهاجرة في  مسراب دمي، و توقي إلي ك عزف  النايات في جوفي، كلما ارتعش النسيم تشظت ملامحي، على  مرايا الماء.
لأراني في دياجير الليل،  و الظلام أعمى يمضغ رماد السنين.
تارة،
أمتطى الثواني على مضض، و رياح الغربة تطحنني، لأبحث عن سنابل ضياعي   المحمومة، و قد كفّنها النسيان في مقابر تلك  المدن التي تعج برائحة الملح، و المواويل الحزينة.
و أي  بهجة في ذاك  المطر،  ليعزف للرياح نوتات الإنتظار، و دياجير الظلام تسكنني، و أنا كالظل إن ذابت شمسي غبت في عمق الأنين، ليغمر قلبي فيض من همس، و نسائم البوح كالعطر الحائر تفشي في القلب أسرارا.
و ذاك الشوق في اللحظ غائر، ينقش إحساسه ب الأوركيد، و فوق خمائل النبض، ليبعثر ذاك  الحنين الثائر في الدروب  ..
أمشي حافية القدمين، و كثيرا ما أضاء الصبح سراجي، و  فوق رسغ القصيدة تثاءبت عتاق المانوليا لتغني للأقدار أبياتا ، على هديل اليمام المدثر بظل سروتنا، أو على جيد المطر.

وحده  هذا الليل يؤويني في صدره المغزول بالحزن، أغفو على النايات، و السنونو الحزين في دربنا أيقظ الدالية العتيقة ، و لا أدري هل فعلا رتلتها، أم فقط رتلت لحني، و أنا المشغولة في بوحي، و هذياني، و ريق الدحنون.
على نية السهر ، اسأل قيسا لحافا يغطي قصيدتي ، و يعجل بجمع المكاتيب   و شمعة واحدة لقراءة ما تيسر من وجهي عساني أختم رسالتي بالحنين و أزين دربي برائحة القهوة و بأوراق الحبق.
هكذا هي  الدنيا ، و كل هذا الظلام كان عنوان القرب مني، ودق يحتضن اوراقا جديدة، و دحنونات ودعت عشية الأحلام ، و بقايا دوح عطر ، وظلي الشارد الشاهد على برودتي ، ف ليلى منذ الصباح تكتب بكثافة شديدة ، لتبدأ بفك همس ساعي البريد الغريب  ،  من ترانيم صوته ، الذي يدنو مني كالموسيقى المهجورة ل يمتلئ يومي بالعزف على نوتات الوجع و أنا المتهالكة المتناهية التي تود لو توقظها أجراس اللهفة.

وحيدة جداً يا أنا، و لا أستطيع المكوث بصدري، أنا و أوراقي، و قصائدي، و أصيص الحبق الذي يزين زقاق اللقاء، وحيدة حد الملل من سماع ترُهات حياتي.
لن ينام ذاك الحلم اليوم على سنابلي ،  و كل ليلة مضت محاطة بضمتي و انكساري لأتخطي الدهشة بقدمين مشدودتين من غير الشماتة بالفأس المكسور قرب جرح الشجرة و من غير الايمان الحاسم ، في كل مرة ، بأنك سوف تلتقط الرصاصة المسرعة إليك كي لا تموت سهوا بين عتبات الزمان .

كثيرا ما أرسمني لوحة سريالية، فوق جدران الأماني، و أخط بيد الزمان لطَيْف اللقاء، حرفا ثائرا.
أسرق بهدوء من كف افروديت وشاح القوافي، و أسرج لها في كف النهار لوضحة ضفائر.

لله در الياسمين يشكو البياض في مفرق رأسه و العطر يعبث بثغره و أنا ك شاعرة أتخذت يراعاً
من ريش طائر شارد، يحاور شباكها المكسور و المأسور، ل يعشعش الحلم فوق أهداب الستائر.

يا وجعا غفى بين أضلعي و تغلغل في مسامات روحي، حتى رأيت الخوف يطوقني، و يلتفّ حول عنقي، و الأرض نازفة على كتفي، كلما هربتُ ذكرياتي، نازلة سلالم غيابي ببطء، لأصل إلى قبو أوجاعي، و تراتيل قلبي،
يهمس الغياب في أذني لأنام، بتراتيل تتسلق شقوق الغيم ، لتمطرني و كلماتي المتبقية مني بوابل من العتاب
و تنبت التعب على شفتي، كزنبقة غضة الأكمام ملأ يباب الانتظار جذورها أشواكا و حنينها ك عابر سبيل يتجول بين حنايا الذاكرة، يستجدي صوتي المثخن بالدفء، و يغرس أنياب الفراق كلما سعى الأمل بين ثنايا صدري.
أنا و انعكاسي على صفحة الحياة أصغي إلى صدى الليل و همس العواطف لحظة و إلى وشوشة الصمت لحظات و هو يماشي جدائل الفرح و يحمل الحاضر على أمواج بحر غارق في الحلم.
انتظرت عمرا لأينع في حضوري، و غيابي يكتبني لأتدثر بسحابة رمادية،
– كيف؟
و أنا أصافح سماء الحنين و ما أينعت، فما بالُ الذبول غزى روحي، و بقيت سؤالا دون جواب أضع رقعة على ثوب انتظاري، لأختبئ من تقلبات الفصول.

و ذاك الضجر عالق بين ما كان وما فات، وما بقي، يستغيث والقدر أصمٌ ، لا طوق في قواربه للنجاة، حاضرٌة غائبٌة في حياتي ، و   حياتي تأبى السُبات  تناجيني، أم تناجي انعكاسي، و أنا أناجي الصمت بكل حالاتي مشرعة الأبواب.

تبا ،
س أغني للوِحدة و الحنين و بعض الموت ، س أغني حين تتحد الأرواح في صدر السماء، و أرقص ليكن التجاذب إلهيـا، س أغني مهما كان صوتي نشاز.
فقط صفقوا بصمت، صفقوا بصمت، لتمضي بنا الأيام، و تتدحرج بقاي عمري على مذبح الوقت،
ل تقلم ما تبقى من رمق الروح، و بالكاد تمنحني مساحة للتنفس.
و أنا ك نبيذ معتق أفسد عقل الوقت، و أعصابه، و بدائيته، و انعكاسه على صفحة الحياة، و أنا القصيدة الحافية التي تركض بالخيال، و الأفكار، و تتوه فيهم توقدا و هذيانا و تزف رسائلها كل احتضار.

شاركها

شاهد أيضاً

بنلعيدي يدعو الى فتح حوار وطني حول مآل و مستقبل العمل الحزبي بالمغرب

أنفابريس على إثر ما شهدته الساحة السياسية ببلادنا و خصوصا الاستحقاقات الانتخابية الاخيرة ل 8 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تحتاج مساعدة ؟ تكلم مع أحد من فريقنا