
كلمة الاستاذ المصطفى الرميد بمناسبة انعقاد الجمعية العامة لهيئة المحامين بالبيضاء بتاريخ 21نونبر 2022
أنفا بريس :
السلام عليكم،
اود ان اعبر عن سعادتي بالرجوع إلى احضان المهنة التي قلت عنها مرارا من موقع المسؤولية الحكومية انها اعطتني كل شيء، وهي صاحبة الفضل علي، ولأنها كذلك، رأيت من واجبي ان البي نداءها، وأن أسهم في الدفاع عن حماها، وتزداد سعادتي بالجلوس بين زملائي الذين هم اهلي واحبابي، والذين اعتز بهم، سائلا الله تعالى أن يلهمنا جميعا الصواب وفصل الخطاب.
واسمحوا لي بإبداء الملاحظات التالية، وهي ملاحظات نابعة من معرفة حقيقية بمعطيات السياسة، ومنطق اشتغال المؤسسات، ومستوى موازين القوى، وبتفاعلات الحاضر، واحتمالات المستقبل، مع العلم ان منكم من هم أكثر ادراكا، واوسع استيعابا، ولكنها تبقى ملاحظات تذكير، لعل الذكرى تنفع المؤمنين.
اولا: لقد أخطأت الحكومة، وهي تلقي بحزمة ثقيلة من الاجراءات الضريبية جملة واحدة، وكان التشريع الضريبي يبدأ بسنة 2023 وينتهي بها، وكان حريا بها، ان تتدرج فيما ترى ترتيبه على الفئات، خاصة فئة المهنيين، ومنهم المحامون. ان السياسة حكمة وبيداغوجيا، وحسن تدبير، وهو ما كان يفرض على الحكومة تفادى أثقال كاهل المهنيين، ومعهم زبناءهم، جملة واحدة، بالرفع من الضريبة على القيمة المضافة، والخصم من المنبع، ثم تضيف الى ذلك اداء تسبيق ضريبي بالنسبة للمحامين، وبعد اقل من شهر، تفرض المرسوم رقم 2.22.858بتطبيق القانون رقم15.98المتعلق بنظام التأمين الاجباري الاساسي عن المرض، والقانون رقم15.99باحداث نظام للمعاشات الخاص بفئة المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الاجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا فيما يتعلق بالأشخاص الذاتيين الذين يمسكون محاسبة، وذلك دون اي تشاركية او تشاور في وضع هذا التشريع كما جرت على ذلك العادة مع باقي المهنيين، مع العلم ان المحامين يتحملون جزء من المسؤولية في تفرد الحكومة بالتشريع في هذا الصدد لأنهم لم يستوعبوا حجم التحولات الجارية حولهم، وارادوا ان يفرضوا على الدولة خيارهم، غير عابئين بدعوتنا مرات عديدة للمؤسسات المهنية من وجوب التواصل مع الحكومة، للبحث عن حلول وسطى، وعدم التعصب للتعاضدية باعتبارها الخيار المهني الاوحد، وها هي الحكومة، بدورها ، تفرض خيارها الأوحد دون تواصل مع المؤسسات المهنية، ووسط هذا التوتر السائد ، والتجاهل المتبادل، ضاعت وتضيع حقوق المحاميات والمحامين.
ثانيا، لقد كان حريا بالحكومة لو تمتعت بقليل من الحكمة ان تجعل من هذه السنة، سنة تسجيل جميع المهنيين في الجدول الضريبي ، اما بتكثيف المراقبة، وترتيب الجزاءات على اي اخلال بذلك ،كما يقضي بذلك القانون، او وضع قانون يمنع تسلم الإدارة لاي وثيقة صادرة عن مهني دون نصها على رقم التسجيل بجدول الضريبة، وكان ينبغي ان تجد الحكومة كل الدعم في ذلك من قبل الهيئات المهنية، باعتبار ان التمتع بالحق يقابله اداء الواجب، مع العلم ان بعض المهن تفرض على منتسبيها قبل التسجيل بلوائحها الادلاء بتعريف ضريبي كما هو الحال بالنسبة للخبراء المحاسبين على سبيل المثال.
وقد تضيف في هذه السنة، وضع المرسوم رقم 2.22.858الخاص بنظام المعاشات المشار إليه انفا، بعد التشاور والتوافق الضروري مع الهيئات المهنية للمحامين، باعتباره مشروعا وطنيا لا مفر منه.
ثالتا، انه وبالرغم من احالة مشروع قانون المالية في 20اكتوبر، فان هيأت المحامين لم تصدر اي وثيقة توضيحية وترافعية بشان ما يرفضه المحامون، وما يقترحونه من تعديل في الوثيقة التشريعية المقترحة، ماعدا وثيقة واحدة صدرت عن نقيب هيئة البيضاء بعد أكثر من عشرين يوما من احالة مشروع القانون على البرلمان، وبعد مصادقة مجلس النواب على تعديلات جوهرية على المشروع، غير ان الوثيقة المذكورة أجابت عن المشروع كما احالته الحكومة ، دون التعديلات المنجزة، مما جعلها وثيقة متجاوزة، وبالتالي ليس لهيات المحامين وثيقة تبين موقفهم وتنتصر له، وهو وضع غير مقبول من فئة نذرت نفسها لتدافع عن الكافة بالحجة والبرهان، وليس لها اليوم ولا لهياتها حجة ولا برهانا واضحا ومضبوطا.
نعم، هناك وثائق صدرت عن محامين، لكن أغلبها ضعيف، او به معطيات غير صحيحة أو غير محينة، مع الاحترام الواجب لكل جهد مبذول.
رابعا، ان الحكومة قامت ببذل جهد ملحوظ في التجاوب مع مطالب المحامين، وان بقي هذا التجاوب محدودا، وهو ما تدل عليه التعديلات التي اجريت على يد مجلس النواب، او تلك المنتظر اجراؤها امام مجلس المستشارين.
وهكذا، فان الاقتطاع من المنبع سيصبح بالنسبة لجميع المهنيين ومنهم المحامون 10%، ولشركاتهم المهنية 5%.
كما ان الاداء المسبق سيصبح كما معلوم، محصورا في أداء مائة درهم، مع استثناء المقالات المختلفة، والدعاوي المعفاة من الرسوم القضائية وغيرها، والاهم من ذلك كله الاعفاء من الاداء المسبق الذي أصبح اختياريا، وبالتالي أصبح هذا الاجراء أقرب إلى الصورية منه الى شيء آخر.
فهل يصح ان يستمر المحامون في المقاطعة التي كانوا يمارسونها قبل الاعلان عن هذه التنازلات وكأنه لم يقع شيء؟
انه كما قامت الحكومة ببعض التنازلات، وأن كانت محدودة، فقد وجب على المحامين ان يتنازلوا عن المستويات الاحتجاجية القصوى، والتي تجسدها المقاطعة، مع امكان الاستمرار في باقي انواع الاحتجاجات المشروعة قانونا، والتي منها الوقفات المؤقتة سواء بالمحاكم او خارجها.
خامسا، ان السلطات المعنية تعاملت مع احتجاجات المحامين خاصة منها المقاطعة بنوع من التفهم والتجاوز، حيث احجمت النيابات العامة عن الطعن في قرارات المقاطعة باعتبارها باطلة قانونا بسبب التواطئ على عدم مساعدة القضاء ، كما ان الملفات التي تعالج غالبا بالتأخير، كل ذلك لن يدوم ، حيث من المنتظر ان يقوم القضاة بالتعامل المسطري الصارم ، والذي سيسفر عن الحكم في القضايا ، وسيكون الضرر الجسيم حالا لامحالة بزبناء المحامين ، وبالتبعية بالمحامين ، وخاصة حينما يتعلق الامر بالقضايا التي سيتم الحكم بشأنها استئنافيا. وهو ما سيؤدي الى مشاكل لا حصر لها بين المحامين وزبناىهم.
سادسا، ان استمرار المقاطعة ان كان له من تأثير، فتأثيره على المحامين وزبناىهم سيكون أكبر وأصعب من اي تأثير اخر، وعلى أي جهة اخرى. والغريب ان يتصور البعض ان مقاطعة الصندوق له تأثير على مالية الدولة، مع ان عدم الاداء اليوم او غد، سيعقبه الاداء بعد غد، وبالتالي لا تأثير لهذه المقاطعة اطلاقا، ولو صح ان هناك ثمة أثر مهم، فان الدولة بإمكانها حماية صناديق المحاكم، وبالتالي الحفاظ على مداخيلها، اما مقاطعة الجلسات، فان إدراج الملفات الجاهزة للمداولة في غياب المحامين، ان كان سيلحق الضرر بالعدالة، فانه سيلحق بالغ الضرر بالمحامين وزبنائهم.
سابعا، ان الاستمرار في المقاطعة يتطلب الجواب على السؤال التالي، هل بالإمكان لي دراع الدولة واخضاعها لإرادة المحامين؟ والى متى ستستمر المقاطعة؟
والجواب البديهي هو انه بعد ان تبدأ المحاكم في إدراج الملفات للمداولة، سيجد الكثير من المحامين الحرج الشديد في الاستمرار في المقاطعة، وبالتالي سيسود الخلاف صفوفهم، وستكثر النزاعات بينهم، وتفشل المقاطعة لامحالة، وستسفر عن وضع جديد بالنسبة لمهنة المحامين، وضع الفشل وذهاب الريح.
ثامنا واخيرا، ان الحل بالنسبة لي، هو التواصل مع الفرق البرلمانية خاصة منها المعارضة، للطعن بعدم الدستورية في المقتضيات التي يمكن الطعن فيها، مع الاستمرار في كل الاحتجاجات المشروعة، والتواصل مع المؤسسات والهيئات لإقناعها بإنجاز كل التعديلات والتصحيحات الضرورية باعتبار ان القانون المالي هو قانون سنوي، وقابل المراجعة الممكنة.



