اقلام انفا بريس

جدلية المال والسلطة في الاقتصاد المغربي

أنفابريس/ بقلم : سفيان نجيح
باحث متخصص في العلوم السياسية والقانون الدستوري

تُمثل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة أحد المحاور الأساسية في فهم الديناميات البنيوية للدولة الحديثة، حيث يتشابك المجالان في إطار جدلية مستمرة تُعيد إنتاج التوازنات الاجتماعية والاقتصادية وفق أنماط متغيرة من السيطرة والتكيف. في هذا السياق، يتسم النموذج الاقتصادي المغربي بخصوصية واضحة، إذ خضع تاريخيًا لإشراف الدولة المركزية التي لم تكتفِ بدور المنظم، بل انخرطت بشكل مباشر في عملية إنتاج الثروة وإعادة توزيعها بما يخدم استراتيجياتها السياسية. فمنذ الاستقلال، تبنّت الدولة مقاربة اقتصادية قائمة على دعم الرأسمالية في القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية والمالية، مما أدى إلى ظهور نخب اقتصادية مرتبطة بها، مقابل تهميش القوى الاجتماعية الوسطى التي يُفترض أن تكون فاعلًا رئيسيًا في عمليات التحديث الاقتصادي والسياسي.

إصلاحات السوق: بين الانفتاح الاقتصادي وإعادة إنتاج شبكات النفوذ

عرف الاقتصاد المغربي منذ عقد الثمانينيات سلسلة من الإصلاحات التي استهدفت تحرير السوق، تقنين التعاملات الاقتصادية، وتعزيز انخراط البلاد في الاقتصاد الدولي. غير أن هذه الإصلاحات، رغم طابعها التحرري، لم تؤدِ إلى قطيعة فعلية مع النموذج الاقتصادي السابق، بل أعادت إنتاج الأنماط التقليدية للهيمنة الاقتصادية تحت مظاهر جديدة. فقد استمرت الدولة في لعب دور الضامن لتراكم الثروة في يد فئات معينة من الفاعلين الاقتصاديين، سواء من خلال التسهيلات الائتمانية، أو منح الصفقات العمومية، أو التسامح مع احتكارات معينة في قطاعات استراتيجية.

هذه الاستمرارية في بنية الاقتصاد السياسي المغربي عرقلت محاولات تعميم قواعد السوق الحرة، حيث ظلت بعض الفئات الرأسمالية المحلية تُفضل الاحتماء بالمؤسسات الرسمية بدل الانخراط في منطق المنافسة العادلة. وهو ما يفسر كيف أن الاقتصاد المغربي، رغم انفتاحه المتزايد، لا يزال يعاني من ضعف في الشفافية الاقتصادية، مما يؤثر على جاذبيته للاستثمارات الأجنبية، ويُكرس نمطًا من الليبرالية المشوهة التي تعتمد على تدخل الدولة كضامن رئيسي لاستمرار دوائر النفوذ الاقتصادي.

تحديات الحكامة الاقتصادية: السلطة ورأس المال بين التداخل والاستقلالية

في ظل هذه الديناميات، تُطرح إشكالية استقلالية القرار السياسي عن المصالح الاقتصادية الخاصة، حيث باتت الحدود بين المجالين أكثر ضبابية، خاصة مع تزايد حالات تولي شخصيات من عالم المال مواقع قيادية في السلطة التنفيذية. هذا التداخل بين الدولة والرأسمال يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النظام الاقتصادي على تبني نموذج تنافسي عادل، يحد من الامتيازات الريعية ويُعزز تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

رغم بعض المبادرات الحكومية التي استهدفت تقليص الفجوة الاجتماعية وتعزيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة، لا تزال التحديات قائمة، خاصة في ما يتعلق بالعدالة الضريبية، سياسات التشغيل، والقدرة على خلق بيئة اقتصادية تُشجع الاستثمار المنتج بدل المضاربة المالية. ففي ظل ارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ نمو الاستثمارات الخارجية، يصبح من الضروري إعادة النظر في نموذج الحكامة الاقتصادية، بما يضمن توازنًا بين دعم القطاع الخاص وتعزيز دور الدولة كمنظم وليس كفاعل مباشر في الإنتاج والتوزيع.

رهانات الاستقرار الاقتصادي: دور الطبقة الوسطى ومتطلبات التنمية المستدامة

لتحقيق تحول اقتصادي مستدام، يظل دعم الطبقة الوسطى أحد الشروط الأساسية لأي سياسة اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحقيق العدالة الاقتصادية. فالرهان ليس فقط على توفير مناصب الشغل، بل أيضًا على تحسين جودة العيش، والرفع من القدرات الاستهلاكية والاستثمارية لهذه الفئة، نظرًا لدورها المحوري في خلق ديناميكية اقتصادية متوازنة. غير أن تحقيق هذا الهدف يستوجب إعادة توجيه السياسات العمومية نحو استثمارات تُراعي توزيعًا أكثر عدالة للموارد، مع الحد من الامتيازات الاحتكارية التي تستفيد منها فئات اقتصادية محدودة النفوذ.

وفي ظل التغيرات الاقتصادية التي يشهدها المغرب اليوم، يبرز التحدي الأكبر في مدى قدرة الدولة على الحفاظ على استقلاليتها عن مصالح المؤسسات المالية الكبرى، مع ضمان استمرار عملية التحديث الاقتصادي وفق معايير تكفل شفافية السوق وتنافسية المؤسسات الاقتصادية، بعيدًا عن منطق الامتيازات الريعية. هذا التوازن بين الدولة والرأسمال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو شرط أساسي لتحقيق تنمية مستدامة، تُخرج الاقتصاد المغربي من الحلقة المغلقة للنمو غير المتكافئ، وتؤسس لمرحلة جديدة من الإنتاجية والتنافسية العادلة.

نحو نموذج اقتصادي جديد يعزز الاستقلالية ويحد من التبعية

إن إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والرأسمال في المغرب لم تعد مجرد نقاش اقتصادي، بل باتت ضرورة سياسية تستوجب إعادة هيكلة النظام الاقتصادي بما يعزز قدرة الدولة على أداء دورها كمنظم للسوق، دون أن تتحول إلى أداة في خدمة المصالح الاقتصادية الضيقة. ويتطلب ذلك إصلاحات عميقة في منظومة الحكامة الاقتصادية، تُركز على دعم الابتكار، تشجيع الاستثمار المنتج، وتعزيز الشفافية، بما يضمن خلق مناخ اقتصادي يحقق التنمية المستدامة ويوسع قاعدة المستفيدين من النمو، بدل تكريس نمط من التنمية المنحازة لفئات اقتصادية محددة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى