
وزارة الثقافة…حين تحارب الثقافة بإسم التنظيم
أنفابريس //
في مشهد يثير الاستغراب والأسى، بات من الواضح أن وزارة الثقافة في بلادنا تمارس، من حيث تدري أو لا تدري، تضييقًا ممنهجًا على الفعل الثقافي، من خلال فرض رسوم باهظة على استغلال الفضاءات الثقافية العمومية. ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون هذه المرافق حاضنة للمبادرات الثقافية ومحفّزة للإبداع، تحولت إلى عبء ثقيل على كاهل الجمعيات والفعاليات الثقافية الجادة.
فخلال السنة الأخيرة، شهدنا ارتفاعًا لافتًا في تكاليف استغلال القاعات والمركبات الثقافية، حيث أصبحت الجمعيات ملزمة بدفع مبالغ تتراوح بين ألف وخمسة آلاف درهم مقابل بضع ساعات من النشاط، حتى وإن كان هذا النشاط مفتوحًا ومجانيًا للعموم. والمفارقة المحزنة أن بعض هذه القاعات تفتقر لأبسط شروط التهيئة أو التجهيز، ومع ذلك تُفرض عليها رسوم لا تقل عن ألف درهم، بينما تصل تسعيرة القاعات المجهزة إلى خمسة آلاف درهم في اليوم.
هذه السياسة، التي لا تراعي الوضعية المادية الصعبة لغالبية الجمعيات الثقافية، تشكل عقبة حقيقية أمام استمرار المبادرات الثقافية المحلية والدولية. كرئيس لجمعية ثقافية، أجد نفسي سنويًا أمام معاناة متكررة في سبيل تأمين فضاء ملائم لتنظيم مهرجان دولي لتجويد القرآن، أو مهرجان دولي للشعر والزجل، دون أن أضطر لتحمّل تكاليف لا طاقة للجمعية بها. وكل عام، يزداد الأمر تعقيدًا، حيث تتناقص القاعات المتاحة بالمجان، مقابل توسيع قائمة المرافق المؤدى عنها.
إن ما تعيشه الثقافة اليوم في بلادنا هو نزيف حقيقي يُهدد بتقويض ما تبقى من حيوية المشهد الثقافي. فبدل أن تُخصص الوزارة دعما مباشرا أو تُوفر فضاءات لاحتضان الأنشطة الثقافية دون مقابل، نجدها تُسهم، بشكل غير مباشر، في تجفيف منابع الإبداع، وفرض قيود على حرية التعبير الثقافي.
المرحلة الراهنة تستوجب وقفة تأمل ومراجعة جريئة لهذه السياسات. فالثقافة ليست ترفًا، بل رافعة أساسية للتنمية والوعي الجماعي، ولا يمكن أن تزدهر في ظل بيروقراطية مالية تُفرغ المبادرات من روحها. إن الحاجة ماسة اليوم لإعادة الاعتبار للثقافة، ولتمكين الفاعلين الثقافيين من أدوات العمل دون إثقال كاهلهم برسوم ترهق كيانهم وتُجهز على أحلامهم.



