
حين تعزف الروح وتتألم الأجساد: مهرجان كناوة بالصويرة بين نشوة الفن ومحنة الزوار”
أنفابريس //
في قلب مدينة الصويرة، حيث تلتقي نسمات الأطلسي بنبض الگنبري وإيقاعات الطبل الإفريقي، تتوالى لحظات النشوة الجماعية على وقع طقوس “الجدبة” التي تميز مهرجان كناوة في دورته السادسة والعشرين. المدينة تتحول خلال أيام معدودة إلى مسرح مفتوح للروح والجسد، حيث يمتزج الفن الصوفي بفرح اللقاء وحرارة الانتماء لهذا التراث العابر للثقافات والحدود.
ولكن، خلف ستار النغم والبخور والرقص المترنّح، يطلّ واقعٌ لا يقلّ صخبًا: نقص كبير في مرافق الإيواء، وارتفاع مهول في أسعار الكراء والمبيت الفنانون وجمهور المريدين الذين قطعوا مئات الكيلومترات من أجل “الجدبة”، وجدوا أنفسهم أمام تحديات يومية لا تتماشى مع طموحات المهرجان ولا مع شعارات الانفتاح والاستقبال.

في مشاهد تتكرر كل سنة، لجأ العشرات إلى نصب الخيام في ضواحي المدينة،وتحويل سياراتهم إلى أماكن للنوم المؤقت،في تعبير صادق عن شغف لا ينكسر أمام ضيق ذات اليد.ومثلما تتمايل الأجساد في حلقات الذكر الجماعي،فإنها أيضًا تناضل بصمت في مواجهة شروط إقامة غير كريمة، لا تليق بزوار جاءوا للاحتفاء بالفن والحياة.

رغم ذلك،يواصل مهرجان كناوة أداء رسالته الثقافية والسياحية،مؤكداً مكانة الصويرة كمحجّ فني عالمي لكن النجاح الظاهري يخفي حاجة مُلحّة لإعادة النظر في البنية التحتية السياحية للمدينة. فالمهرجان، وإن نجح في الترويج لصورة صوفية ساحرة، فإن واقعه الميداني يفرض على الجهات الوصية والمجالس المنتخبة التفكير في حلول ملموسة: منشآت إيواء بديلة، فضاءات مؤقتة ومجانية للمبيت، وتحفيزات للاستثمار السياحي الشعبي.

الرسالة باتت واضحة: لا يمكن لعزف الگنبري وحده أن يغطي على أنين الحاجة. وإذا كانت “الجدبة” لحظة تحرّر روحي، فإنها في الصويرة أيضًا نداء إلى تحرير السياسات الثقافية. من نخبويتها، وجعلها أكثر عدلاً وشمولاً. فكما نهتم بترتيب المنصات وجودة العروض، لا بد أن نصغي لأصوات الزوار، ونُعلي من كرامتهم كجزء لا يتجزأ من نجاح المهرجان.



