سياسة

الدلاح البلدي… فاكهة مغربية أصيلة تختفي بصمت تحت ضغط “المخطط المشؤوم”

أنفابريس //

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الأمن المائي وتدبير الموارد الطبيعية، يختفي بصمت محصول مغربي أصيل طالما شكّل جزءًا من الموروث الفلاحي الشعبي: الدلاح البلدي، أو البطيخ الأحمر التقليدي، الذي لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الماء، ولا إلى مساحات ضخمة من الأراضي، ومع ذلك أصبح نادر الوجود في الأسواق المغربية.

خلافًا لصنفي “الدلاح الكبير” و”الدلاح الموجه للتصدير”، يشتهر الدلاح البلدي بقدرته على التكيف مع المناخ الجاف، وبحاجته المحدودة نسبيًا للماء، ما جعله لسنوات طويلة فاكهة الفلاحين الصغار، ومصدرًا للرزق في المناطق القروية التي تعاني من شحّ المياه.

لكن هذه الفاكهة بدأت تنقرض تدريجيًا، لا بسبب الطبيعة، بل بسبب “المخطط الفلاحي الجديد”، كما يسميه الفلاحون، الذي شجّع على الزراعات التصديرية المكثفة على حساب الزراعات المحلية الأصيلة، حيث بات يُنظر إلى الدلاح البلدي باعتباره “غير مربح”، رغم قيمته الغذائية والبيئية والاجتماعية.

في شهادات متطابقة لفلاحين من مناطق مختلفة مثل زعير، وزاكورة، والراشيدية، يؤكد هؤلاء أن الدعم الفلاحي اليوم يُمنح لمن يزرع “الدلاح الموجه للتصدير”، الذي يتطلب كميات هائلة من المياه، وتُستهلك زراعته على حساب الفرشة المائية، في حين لا يحظى الدلاح البلدي بأي تحفيز أو دعم تقني، بل يُقصى من برامج التوزيع والتشجيع.

يقول أحد الفلاحين من نواحي الخميسات: “الدلاح البلدي كان كيغرسوه والدينا بلا سماد بلا دواء، وماء السقي كان قليل، لكن اليوم ما بقاش ليه بلاصة… كلشي ولا موجه للسوق الخارجي.”

تراجع إنتاج الدلاح البلدي انعكس مباشرة على الأسواق المحلية، حيث أصبح العثور عليه صعبًا، وأحيانًا نادرًا. كما تسبب في فقدان نكهة فريدة ارتبطت بالطفولة والذاكرة الجماعية، ما يعتبره البعض محواً لهوية غذائية محلية أمام زحف الزراعات الصناعية.

الخبراء بدورهم يدقون ناقوس الخطر، محذرين من خطورة هذا التوجه الأحادي في التخطيط الزراعي، والذي يهدد التنوع البيولوجي الزراعي، ويُقصي الزراعات المستدامة التي تتماشى مع مناخ المغرب وتحدياته المائية.

اليوم، وبينما تتفاقم أزمة الماء وتتزايد المخاوف من مواسم الجفاف المتكررة، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للدلاح البلدي وغيره من المنتجات المحلية التي طالها الإقصاء. فلا يعقل أن تُهمَّش فاكهة مقاومة للجفاف، لتحل محلها زراعات مرهقة للبيئة وموجهة فقط نحو السوق العالمية.

إن إنقاذ الدلاح البلدي ليس مجرد قضية فلاحية، بل هو رهان على السيادة الغذائية، على الاستدامة، وعلى العدالة المجالية التي تُمكّن الفلاح الصغير من الاستمرار دون أن يكون ضحية لخيارات لا تخدم مصلحته ولا مصلحة الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى