
أنفابريس //
رغم ما يزخر به المغرب من ثروات طبيعية ومؤهلات اقتصادية كبرى، في مقدمتها الفوسفاط، الذي يجعل المملكة في صدارة الدول المنتجة عالميًا، تواصل الدولة منذ سنوات نهج سياسة تفويت الأصول العمومية، سواء عبر الخوصصة المباشرة أو من خلال صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهي مقاربة تثير جدلًا متصاعدًا بشأن آثارها على السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، انطلقت أولى موجات الخوصصة، حيث تم تفويت مؤسسات استراتيجية إلى القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب. هذا التوجه عاد بقوة في السنوات الأخيرة، بفعل الضغوط المالية المتزايدة، وارتفاع المديونية، وحاجة الخزينة العمومية إلى سيولة فورية.
وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية أن الهدف من هذه السياسة هو “تحسين النجاعة الاقتصادية” و”تشجيع الاستثمار الخاص”، غير أن غياب رؤية استراتيجية واضحة، ونقص الشفافية في بعض العمليات، يطرحان تساؤلات مشروعة حول منطق الأولويات وجدوى تفويت الممتلكات العمومية.
شملت عمليات التفويت أو التدبير المفوض مؤسسات وقطاعات حيوية، من بينها: بعض الموانئ والمطارات.
شركات توزيع الماءوالكهرباء.قطاعات النقل، كما حدث مع الخطوط الملكية المغربية في فترات سابقة.
وهناك حديث متزايد عن توجه نحو خوصصة التعليم والصحة، وهما من ركائز الدولة الاجتماعية.
في الوقت الذي يُدر فيه قطاع الفوسفاط، عبر مجموعة OCP، مليارات الدولارات سنويًا، يشير خبراء إلى أن هذه العائدات لا تنعكس بشكل ملموس على التنمية الاجتماعية أو تحسين جودة الخدمات العمومية.
فإذا كانت البلاد تتوفر على أول احتياطي عالمي من الفوسفاط، إلى جانب مؤهلات هائلة في الطاقة الشمسية والزراعة، فلماذا تلجأ الدولة إلى بيع أصولها لتغطية عجز ظرفي؟
عدد من الخبراء والفاعلين الاقتصاديين يُحذرون من المضي في بيع الأصول العمومية دون تقييم استراتيجي شامل، ويبرزون المخاطر التالية:
فقدان السيادة الاقتصادية: تفويت أصول استراتيجية قد يضع القرار الوطني تحت تأثير مصالح خارجية.
إضعاف القدرة التفاوضية للدولة: عندما تُفرّط الدولة في ممتلكاتها، تُصبح أقل قدرة على فرض شروطها في التعاقدات.
تهديد للخدمات العمومية: إدخال منطق الربح في قطاعات كالصحة والتعليم قد يهدد جودتها ويقصي الفئات الهشة.
تفاقم الفوارق الاجتماعية: الخوصصة قد تُعمّق الفجوة بين الطبقات، خصوصًا إذا غابت إجراءات الحماية الاجتماعية.
غياب الاستثمار الإنتاجي المحلي: الاعتماد على الخوصصة دون تنمية النسيج الصناعي الوطني يُضعف الاستقلال الاقتصادي.
إن بيع أصول الدولة ليس قرارًا تقنيًا فقط، بل هو خيار سيادي يمس جوهر علاقة الدولة بثرواتها، وموقعها كفاعل اقتصادي واجتماعي.
في ظل هذه التحولات، يتزايد النداء من قبل خبراء واقتصاديين ونقابيين بضرورة فتح نقاش وطني شفاف
ومسؤول حول: مستقبل النموذج التنموي توزيع الثروة ومردودية الاستثمارات العمومية دور الدولة كمحفّز وليس كمجرد “بائع” أو “منسحب”.
في وقت تتطلع فيه المملكة إلى تحقيق السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، تبدو الحاجة مُلحّة لإعادة النظر في سياسات تفويت الأصول،والانتقال من حلول ظرفية إلى استراتيجيات هيكلية تستثمر ثروات البلاد لخدمة التنمية الشاملة
رأيكم يهمنا:
هل تعتقد أن بيع أصول الدولة ضرورة اقتصادية أم مخاطرة سيادية؟ شاركنا رأيك في التعليقات.



