دعم رقمي يخدل المحتاجين …؟
أنفابريس //
في زمن المؤشرات الرقمية، لم تعد المعاناة الاجتماعية تُقاس بالحاجة أو الفقر، بل أصبحت مرتبطة بأرقام قد تُنصف وقد تُقصي، تقرر من يستحق الدعم ومن يُحرم منه، بصمتٍ لا يرحم. “المؤشر الاجتماعي”، الذي من المفترض أن يُنصف الفئات الهشة، تحوّل إلى أداة تقنية باردة تنسف واقع آلاف الأسر الفقيرة، وتُقصي المستضعفين من أبسط أشكال الدعم.
ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من الغلاء المتصاعد في المواد الغذائية والخدمات الأساسية، تُحدد الدولة سقف الدعم النقدي في حدود 500 درهم شهريًا. مبلغ لا يكفي لسد رمق أسبوع واحد، دون الحديث عن اللحوم أو الأسماك، ناهيك عن تغطية فواتير الماء والكهرباء أو كلفة العلاج.
المفارقة الصادمة أن هذا “الدعم” يُمنح بناءً على حسابات رقمية مجردة، حيث يتم إسقاط آلاف المحتاجين بدعوى “ارتفاع المؤشر الاجتماعي”، وهو مؤشر يرتفع تلقائيًا بمجرد تعبئة هاتف أو دفع فاتورة، دون النظر إلى حقيقة الوضع المعيشي. وهكذا يُقاس استحقاق الدعم بمنطق الماكينة، لا بمعيار الكرامة أو الحاجة الحقيقية.
ضحايا هذا الخلل كُثر، لكن أكثرهم تضررًا كبار السن الذين لا معيل لهم، يعيشون في عزلة قاسية، بعضهم طاعنون في السن، يعانون من أمراض مزمنة، ولا مورد لهم سوى الله وبعض المحسنين. هؤلاء وجدوا أنفسهم خارج لوائح المستفيدين، لأن “المؤشر” رأى فيهم غير مستحقين، رغم أنهم لا يملكون شيئًا سوى شهادة الحياة.
إن سياسة الدعم المبني على مؤشرات خالية من الحس الإنساني تُحول الفقر إلى عبىء مضاعف، وتُعمق الإحساس بالغبن. ففي مقابل مبالغ دعم هزيلة لا تكاد تُذكر، ترتفع الأسعار بشكل يومي، وتزداد تكلفة المعيشة بشكل خانق. فواتير الماء والكهرباء تقصم الظهر، وسعر تعبئة الهاتف قد يُسقط عن الأسرة حقها في الدعم.
أمام هذا الواقع، تُطرح أسئلة حارقة: من يراقب فعالية هذا الدعم؟ من يُراجع منطق المؤشر؟ وهل يُعقل أن يُقصى المحتاج لأنه دفع فاتورة أو اشترى دواء؟ أين البُعد الإنساني والاجتماعي في كل هذه السياسات؟
إن المطلوب ليس فقط مراجعة المؤشر، بل إعادة التفكير في فلسفة الدعم نفسها. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البرامج المعلنة، بل بمدى قدرتها على إنصاف من لا صوت لهم، وعلى حماية الفئات التي تعيش في الهامش بصمت.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن السياسات الاجتماعية الحالية تحتاج إلى مراجعة عميقة، تنطلق من الواقع لا من الأرقام. فالفقر ليس رقماً، والجوع لا تُشفيه المؤشرات، والكرامة لا تُقاس بفاتورة أو شريحة هاتف.



