اقلام انفا بريس

السلوك الانتخابي البراغماتي

أنفابريس / بقلم إبراهيم الدمسيري باحث في العلوم السياسية والقانونية

تشهد المملكة المغربية، مع اقتراب كل محطة انتخابية تشريعية، بروز ظاهرة باتت تؤرق المشهد الحزبي والسياسي، ويتعلق الأمر بما يُعرف بـ السلوك الانتخابي البراغماتي. هذا السلوك، الذي يقوم على تغليب المصلحة الخاصة والظرفية على المبادئ والمرجعيات، ساهم بشكل مباشر في إنتاج حكومات تفتقر إلى رؤية واضحة وبرامج منسجمة، نتيجة اختلال عميق في منطق الاختيار السياسي.

ويتجلى هذا السلوك أساسًا في تدفّق عدد من المرشحين غير المنتمين فعليًا إلى الأحزاب التي يترشحون باسمها، والذين لا يلتحقون بها إلا لاعتقادهم بأنها مرشحة للفوز أو للمشاركة في الحكومة، أو تحقيقًا لمصالح خاصة. وهو ما يؤدي إلى تجريد الأحزاب من هويتها السياسية ومرجعيتها الفكرية التي تأسست عليها، وتحويلها إلى مجرد أوعية انتخابية عابرة، بدل كونها مؤسسات تأطير وتمثيل.

ولم يعد هذا السلوك مقتصرًا على الناخبين فحسب، بل امتد بشكل مقلق إلى فئة من المنتخبين أنفسهم، خصوصًا بعض الفاعلين في المجال الجمعوي، الذين لا ينخرطون في العمل السياسي إلا بمنطق التحالفات المصلحية الضيقة، ويشتغلون فقط مع من يضمن لهم مكاسب انتخابية، حتى وإن اختلفوا معه جذريًا في التوجه والرؤية. وهكذا تتحول العملية الانتخابية من منافسة برامج وأفكار إلى تبادل مصالح، ويُختزل التدبير العمومي في منطق النفع الخاص بدل خدمة الصالح العام.

هذا الشكل من البراغماتية الانتخابية، المبني على الحسابات الشخصية والانتهازية السياسية، يستوجب الوقوف عنده، حمايةً للعمل السياسي وضمانًا لنجاعة التمثيل الديمقراطي. وفي هذا الإطار، تصبح الأحزاب مطالَبة، أكثر من أي وقت مضى، بتحمّل مسؤوليتها التاريخية، من خلال تزكية وترشيح مناضليها الحقيقيين، الذين نشؤوا داخلها، وآمنوا بمبادئها، وراكموا تجربة نضالية في خدمة الصالح العام، بدل فتح أبوابها أمام الترحال السياسي الموسمي.

كما يظل من الضروري التفكير في آليات قانونية وتنظيمية تحد من هذه الممارسات، من قبيل تقييد الترشح المتكرر بألوان حزبية مختلفة، أو فرض مدة معينة من العضوية الحزبية قبل السماح بالترشح باسم أي حزب، إذ لا يمكن للمبادئ أن تتغير كل أربع أو خمس سنوات، ولا أن تتحول القناعات السياسية إلى مجرد أدوات انتخابية.

فالأحزاب السياسية ليست مؤسسات انتخابية زمنية بل هي فضاء للنضال السياسي المؤطر بالقيم والمبادئ، حيث يكون المناضل السياسي ثابتًا في اختياراته، واضحًا في مواقفه، لا يتلوّن بتغيّر السياقات، ولا يتعامل مع العمل الحزبي بمنطق الغنيمة، بل باعتباره التزامًا ومسؤولية في خدمة الوطن والمواطنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى