رمضان بين ثقافة التخفيضات في أوروبا وواقع الغلاء في أسواقنا: مفارقة تطرح أسئلة العدالة التجارية
أنفابريس //
مع حلول شهر رمضان، تشهد عدة دول أوروبية تضم جاليات مسلمة واسعة حملات تخفيض وعروضًا ترويجية موجهة خصيصًا لهذه المناسبة الدينية وتحرص متاجر كبرى في مدن مثل باريس وبرلين ولندن على تخصيص أروقة للمنتجات المرتبطة برمضان، وإطلاق تخفيضات تشمل المواد الغذائية الأكثر استهلاكًا خلال الشهر، في خطوة تجمع بين البعد التجاري ومراعاة الخصوصية الثقافية والدينية لجزء من زبنائها.
ويرى متتبعون أن هذه المبادرات تعكس وعيًا متزايدًا لدى الفاعلين الاقتصاديين بأهمية التكيف مع التحولات الديمغرافية، إضافة إلى إدراكهم أن احترام المناسبات الدينية يعزز الثقة والعلاقة مع المستهلكين، ويفتح آفاقًا تسويقية جديدة قائمة على الاستهداف الإيجابي بدل الاستغلال الموسمي.
في المقابل، تعرف أسواق عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، مع اقتراب رمضان، موجة ارتفاع في أسعار مواد غذائية أساسية. ويشتكي مستهلكون من زيادات تمس منتجات واسعة الاستهلاك، ما يثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود، ويجعل همّ تدبير القوت اليومي يطغى على أجواء الروحانية والخشوع التي يُفترض أن تميز الشهر الفضيل.
يعزو خبراء اقتصاديون هذا الارتفاع إلى اختلالات مرتبطة بزيادة الطلب الموسمي، وضعف آليات المراقبة، وسلوكيات مضارباتية تستغل الظرفية لتحقيق هوامش ربح أكبر. كما يشيرون إلى أن غياب التخطيط الاستباقي وضبط سلاسل التوريد يساهم في خلق ضغط إضافي على الأسعار.
في المقابل، تعتمد متاجر أوروبية كبرى على استراتيجيات قائمة على تنشيط الاستهلاك عبر التخفيضات والعروض الخاصة، معتبرة أن زيادة حجم المبيعات قد تعوض تقليص هامش الربح، وهو منطق اقتصادي يختلف عن سلوكيات رفع الأسعار عند ارتفاع الطلب.
يثير هذا التباين تساؤلات حول دور السياسات العمومية وأجهزة حماية المستهلك في ضمان استقرار الأسعار خلال المواسم ذات الحساسية الاجتماعية كما يطرح نقاشًا أوسع حول أخلاقيات السوق، ومدى انسجام الممارسات التجارية مع القيم التضامنية التي يجسدها رمضان.
فبينما تنجح بعض الأسواق في تحويل المناسبة إلى فرصة لتعزيز الاندماج والتقارب، يجد مستهلكون في أسواق أخرى أنفسهم أمام تحديات معيشية تتكرر كل عام، ما يستدعي مقاربة متوازنة تضمن حماية القدرة الشرائية، وتعيد للشهر الكريم أبعاده الروحية بعيدًا عن ضغوط الأسعار.



