
الدشيرة: أكاديميون وفنانون يناقشون واقع الموسيقى الأمازيغية وتحدياتها.
أنفابريس// الدشيرة : إبراهيم فاضل
في أجواء ثقافية احتفت بعمق الموسيقى الأمازيغية وذاكرتها الفنية، احتضن المركب الثقافي محمد بوجناح بالدشيرة الجهادية عمالةإنزكان أيت ملول، مساء الخميس 7 ماي 2026، ندوة فكرية متميزة بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للموسيقى، وذلك ضمن فعاليات منتدى الموسيقى الشبابية الذي تنظمه جمعية الرباب بشراكة مع المجلس الجماعي للدشيرة الجهادية، بحضور نخبة من الفنانين والباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي الأمازيغي.

الندوة التي اختير لها عنوان : الموسيقى والأغنية الأمازيغية بين الماضي والحاضر وتحديات المرحلة، تحولت إلى فضاء للنقاش العميق حول واقع الأغنية الأمازيغية والتحولات التي تعرفها في ظل المتغيرات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة، كما شكلت مناسبة لاستحضار محطات مضيئة من تاريخ الفن الأمازيغي بسوس، والتأكيد على أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي باعتباره جزءاً من الهوية المغربية المتعددة.

وافتتح أشغال اللقاء النقيب محمد الخطابي، الذي تولى تسيير الندوة، حيث ذكّر بالسياق الثقافي والرمزي للاحتفاء باليوم الوطني للموسيقى، مبرزاً أهمية مثل هذه المبادرات في إعادة الاعتبار للفن الجاد وفتح النقاش حول قضايا الأغنية الأمازيغية وتحدياتها الراهنة.

وفي مداخلته، تناول الأستاذ لحسن جبران مدينة الدشيرة باعتبارها فضاءً فنياً احتضن منذ عقود عدداً كبيراً من الروايس والفنانين والمجموعات الموسيقية، من بينها فرق كناوة وعيساوة، مشيراً إلى أن المدينة لعبت دوراً محورياً في تطور الأغنية الأمازيغية منذ أربعينيات القرن الماضي، وأسهمت في بروز مدارس فنية أثرت الريبرتوار الموسيقي الأمازيغي ورسخت حضوره داخل الساحة الوطنية.
أما الإعلامي محمد ولكاش، فتوقف عند واقع الأغنية الأمازيغية بين ماضٍ زاهر وحاضر يطبعه الغموض، معبراً عن تخوفه من تراجع بريق فن الروايس الذي شكل لعقود طويلة أحد أعمدة الثقافة الموسيقية الأمازيغية. وأشار إلى أن هذا الفن الأصيل يواجه اليوم تحديات حقيقية، أبرزها ضعف الاهتمام بالأجيال الجديدة من الروايس، واقتحام بعض الدخلاء للمجال الفني، متسائلاً عن مستقبل هذا التراث في ظل التحولات الراهنة.
من جهته، ركز الأستاذ لحسن حيرا على التحديات التي تواجه الإبداع الفني والغنائي، معتبراً أن المتلقي يتحمل جزءاً من المسؤولية في تراجع الذوق الفني وضعف الإقبال على الأعمال الهادفة، داعياً إلى ضرورة الوعي الجماعي بأهمية حماية الفن الأصيل وتشجيع الإنتاج الثقافي الجاد.
وتوزعت النقاشات التي أعقبت المداخلات بين قراءات تاريخية وتحليلات نقدية تناولت مسار الأغنية الأمازيغية وبنيتها الفنية واللغوية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالإنتاج والتوثيق والأرشفة، وصعوبة ولوج الفنانين الشباب إلى سوق الإنتاج الفني. كما أثار عدد من المتدخلين مخاوفهم من التراجع التدريجي لاستعمال آلة الرباب، التي تعد رمزاً مركزياً في الموسيقى الأمازيغية التقليدية، معتبرين أن اختفاءها التدريجي يشكل تهديداً مباشراً لذاكرة فنية متجذرة في الثقافة المغربية.
وفي السياق ذاته، شدد المشاركون على ضرورة تحقيق توازن بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية للأغنية الأمازيغية والانفتاح على التجارب الموسيقية الحديثة، بما يضمن استمرارية هذا الفن وتجددَه دون التفريط في مقوماته الجمالية والتاريخية.
وعلى هامش الندوة، افتُتح معرض تراثي للفنان الشاب هشام فاضل، عرض من خلاله مجموعة نادرة من أجهزة تشغيل الموسيقى القديمة، من بينها آلات الفونو، وأجهزة التسجيل والفيديو، وأجهزة تلفاز تعود لعقود ماضية، إضافة إلى أشرطة وأسطوانات نادرة يرجع بعضها إلى عشرينيات القرن الماضي، في مبادرة استحضرت ذاكرة التكنولوجيا الفنية وتطور وسائل حفظ الموسيقى وتداولها عبر الأجيال.
وشكل هذا الموعد الثقافي مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل الأغنية الأمازيغية وآفاقها، وسط دعوات متزايدة إلى حماية التراث الموسيقي الأمازيغي وتثمينه، باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات الهوية الثقافية المغربية الغنية والمتنوعة.



