
“حين تغيب الكفاءة وتحضر المصالح، تصبح السياسة عبئاً على المواطن بدل أن تكون أداة لخدمته.”
أنفابريس //
لم تعد السياسة، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، ذلك الفن النبيل الذي يهدف إلى تدبير شؤون المجتمع وصناعة الحلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بل أصبحت لدى البعض مرادفاً للسلطة والنفوذ ومراكمة الامتيازات. وبين الصورة المثالية التي تُدرّس في الجامعات والواقع الذي يعيشه المواطن، تتسع الهوة يوماً بعد يوم، وتتراجع معها الثقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين.
في جوهرها، السياسة علم وفن. علم يقوم على دراسة التحولات الاقتصادية والاجتماعية واستشراف المستقبل، وفن يقتضي الحكمة والقدرة على اتخاذ القرار لخدمة الصالح العام. غير أن الممارسة السياسية في كثير من الأحيان تبتعد عن هذه المبادئ، لتتحول إلى صراع على المواقع والمناصب، حيث تصبح المصلحة الخاصة مقدمة على المصلحة العامة.
وما يثير الاستغراب أكثر، أن مسؤولية التشريع وصياغة السياسات العمومية قد تُسند أحياناً إلى أشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من التكوين العلمي والمعرفي الذي تتطلبه هذه المهام. فكيف يمكن لمن لا يمتلك أدوات التحليل والفهم الكافي أن يساهم في وضع قوانين تنظم حياة الملايين أو يرسم سياسات تحدد مستقبل الأجيال القادمة؟
الأكثر إثارة للجدل هو مشهد التحولات السريعة في المواقف السياسية. فكم من مسؤول كان بالأمس معارضاً شرساً لسياسة معينة، ليصبح اليوم من أشد المدافعين عنها؟ وكم من خطاب انتخابي رفع شعارات التغيير والإصلاح، ثم تبخر بمجرد الوصول إلى مواقع القرار؟ إنها ظاهرة تجعل السياسة تبدو أحياناً وكأنها ممارسة “حربائية” تتلون بحسب المصالح والظروف، لا بحسب المبادئ والقناعات.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشهد السياسي لا يخلو من كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والالتزام، تعمل بإخلاص من أجل خدمة الوطن والمواطن. غير أن هذه النماذج تظل مطالبة، إلى جانب المجتمع المدني والإعلام، بالدفاع عن سياسة قائمة على الكفاءة والمحاسبة والشفافية.
إن أزمة السياسة اليوم ليست أزمة نصوص أو مؤسسات بقدر ما هي أزمة ثقة وممارسة. وعندما تتحول السياسة من رسالة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المصالح، يفقد المواطن ثقته، وتفقد الديمقراطية أحد أهم مقوماتها. لذلك يبقى الرهان الحقيقي هو إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، حتى تعود السياسة إلى معناها الأصلي: خدمة الوطن، لا خدمة المصالح.



