
الانتخابات المقبلة… هل يتغير الفاعلون أم تتغير قواعد اللعبة؟
أنفابريس // بقلم / سفيان نجيح: باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، عاد النقاش حول البرامج، والتحالفات، وحظوظ الأحزاب في تصدر النتائج. غير أن السؤال الذي يبدو أكثر أهمية لا يتعلق بمن سيفوز، بل بما إذا كانت الانتخابات، في بنيتها الحالية، قادرة أصلا على إنتاج تغيير سياسي يتجاوز التداول الدوري على الحكومات.
فالانتخابات ليست مجرد عملية تقنية لاختيار ممثلين، وإنما هي في الأنظمة الديمقراطية الآلية التي تُترجم من خلالها الإرادة الشعبية إلى سلطة سياسية. غير أن التجربة المغربية خلال العقود الماضية أظهرت أن صناديق الاقتراع لم تكن وحدها المحدد الأساسي لمسار القرار العمومي، بقدر ما ظلت جزءا من منظومة أوسع لإدارة المجال السياسي وإعادة تنظيم توازناته.
لقد تعاقبت الحكومات، وتبدلت الأغلبية البرلمانية أكثر من مرة، وصعدت أحزاب كانت بالأمس في المعارضة قبل أن تغادر المشهد الانتخابي وهي تتحمل كلفة التدبير. لكن هذه التحولات لم تُحدث تغيرا مماثلا في طبيعة السلطة أو في آليات صناعة القرار، وهو ما يفسر استمرار الشعور لدى فئات واسعة من المواطنين بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بالقدر نفسه على السياسات العمومية أو على أولويات الدولة.
ومن هنا، لا تبدو أزمة المشاركة الانتخابية مجرد تعبير عن عزوف أو لامبالاة، بل تعكس أزمة ثقة أعمق في قدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير الفعلي. فحين يقتنع الناخب بأن الحكومات تتغير بينما تظل السياسات الكبرى مستقرة، يصبح الامتناع عن التصويت موقفا سياسيا بقدر ما هو سلوك انتخابي.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن طبيعة الهندسة التي تؤطر المنافسة السياسية. فالتقطيع الانتخابي، ونمط الاقتراع، وقواعد تشكيل الأغلبيات، كلها عناصر لا تحدد فقط كيفية توزيع المقاعد، بل تؤثر أيضا في طبيعة الفاعلين الذين يصلون إلى المؤسسات، وفي هامش الحركة الذي يمتلكونه بعد الوصول إليها. لذلك، كثيرا ما تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة توزيع المواقع داخل النسق السياسي أكثر من كونها مناسبة لإعادة توزيع السلطة ذاتها.
ولعل تجربة ما بعد دستور 2011 تقدم المثال الأوضح على ذلك. فقد أفرزت الانتخابات حزبا قاد الحكومة لعشر سنوات، وحقق نتائج انتخابية متقدمة في محطتين متتاليتين، قبل أن يتعرض لهزيمة قاسية في الانتخابات التالية. غير أن ما تغير خلال هذه السنوات كان أساسا الفاعلون الحزبيون، بينما ظلت حدود الفعل الحكومي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات، ومنطق اتخاذ القرار، محكومة بالإطار نفسه. وهنا يكمن الفرق بين التداول على السلطة والتداول داخل السلطة؛ فالأول يعيد تشكيل مراكز القرار، أما الثاني فلا يغير سوى من يشغل بعض مواقعها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي في الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن ينحصر في معرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج، بل في مساءلة قدرة العملية الانتخابية نفسها على استعادة معناها السياسي. فكل انتخابات تنتج حكومة جديدة، لكن السؤال الذي لا يزال مطروحا هو: هل تنتج أيضا علاقة جديدة بين المواطن والسلطة؟ أم أنها تعيد، في كل مرة، إنتاج التوازنات ذاتها بوجوه مختلفة؟
إن مستقبل الثقة في الانتخابات لن يتحدد بعدد الأحزاب المتنافسة ولا بنسبة المشاركة فقط، وإنما بمدى اقتناع المواطن بأن صوته قادر فعلا على التأثير في اتجاه السياسات العامة. فحين تغيب هذه القناعة، تصبح الانتخابات ممارسة دورية ضرورية لاستمرارية المؤسسات، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى لحظة مؤسسة لتحول سياسي حقيقي.



