
ذوو الإعاقة بالمغرب.. إلى متى تستمر معاناة فئة أنهكها التهميش واغتالتها الوعود؟
أنفابريس //
بين تعاقب الحكومات والوزارات، لا تزال معاناة الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب مستمرة، في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية تعمّق معاناتهم اليومية، وتجعل أبسط حقوقهم مطالب مؤجلة تنتظر إرادة حقيقية لتنزيلها على أرض الواقع.
في المغرب، لا تزال فئة الأشخاص في وضعية إعاقة تواجه واقعًا صعبًا يتسم بالتهميش وضعف المواكبة، رغم تعاقب الحكومات والوزارات التي رفعت، في مراحل مختلفة، شعارات الإدماج الاجتماعي وتحسين ظروف عيش هذه الفئة. غير أن واقع الحال يكشف أن العديد من المطالب الأساسية لا تزال تنتظر حلولًا ملموسة، وفي مقدمتها مجانية التعليم والتطبيب والتنقل، باعتبارها حقوقًا أساسية لا ينبغي أن تتحول إلى عبىء إضافي على الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم.
فمعاناة هذه الفئة لا تقتصر على الإعاقة في حد ذاتها، بل تتجاوزها إلى صعوبات الولوج إلى المؤسسات التعليمية، وتكاليف العلاج والتأهيل، وغياب وسائل النقل المهيأة أو ارتفاع تكلفتها، فضلًا عن الأعباء المالية التي تتحملها الأسر بشكل يومي. وهي ظروف تجعل كثيرًا من الأشخاص في وضعية إعاقة أمام تحديات متراكمة، تحرمهم من فرص متكافئة في التعليم والعلاج والمشاركة الفعلية في الحياة العامة.
إن أول خطوة نحو معالجة هذا الملف بشكل جدي تتمثل في إعادة النظر في طريقة تدبير قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال نقلها من منطق التدبير القطاعي المحدود إلى مسؤولية مؤسساتية واضحة تتحمل فيها الدولة دورًا مباشرًا في التخطيط والتمويل والتنفيذ والمراقبة.
فهذا الملف لا يمكن أن يظل حبيس المبادرات المتفرقة أو البرامج التي تتغير بتغير المسؤولين والوزراء، بل يحتاج إلى سياسة عمومية مستدامة، بميزانية محددة وأهداف قابلة للقياس، تضمن استمرارية الدعم وتحقيق نتائج ملموسة. والمطلوب ليس مجرد تغيير إداري، وإنما إرساء منظومة وطنية متكاملة تجعل حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة أولوية ثابتة ضمن السياسات الاجتماعية للدولة.
ومن بين الخطوات الأساسية التي ينبغي الإسراع في تفعيلها، إحداث منصة إلكترونية وطنية شاملة، تتيح إحصاء الأشخاص في وضعية إعاقة وتصنيف الحاجيات بحسب طبيعة الإعاقة ودرجتها، مع احترام الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية.
إن غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحيّنة يجعل من الصعب تحديد الاحتياجات الحقيقية لكل فئة، وتوجيه الموارد المالية والبشرية بالشكل المناسب. لذلك، فإن إنشاء هذه المنصة من شأنه أن يوفر معطيات تساعد على رسم سياسات واقعية، وتحديد الأولويات، ووضع برامج خاصة بكل نوع من أنواع الإعاقة، سواء تعلق الأمر بالإعاقات الحركية أو البصرية أو السمعية أو الذهنية أو غيرها.
كما يمكن لهذه المنصة أن تشكل أداة لتتبع الاستفادة من الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، وتقييم مدى نجاعة البرامج المعتمدة، بما يضمن الانتقال من الوعود العامة إلى التخطيط المبني على معطيات دقيقة.
ولا يمكن لأي إصلاح أن يحقق أهدافه دون تخصيص ميزانية واضحة ومستدامة لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة. فهذه الفئة تحتاج إلى إجراءات عملية تشمل المساعدة الاجتماعية، وتيسير الولوج إلى العلاج والأدوية والترويض الطبي، وتوفير الوسائل المساعدة، وتهيئة المؤسسات التعليمية والإدارية، وتحسين خدمات النقل.
كما أن ضمان مجانية التعليم والتطبيب والتنقل، أو توفير تغطية فعلية لتكاليفها وفق الحاجيات والإمكانات، ينبغي أن يكون ضمن أولويات أي سياسة وطنية جادة في مجال الإعاقة، حتى لا تتحول الظروف المادية إلى حاجز يحول دون حصول المواطن على حقوقه الأساسية.
إن تخصيص ميزانية مستقلة وواضحة، مرتبطة ببرامج محددة وآليات للمراقبة والمحاسبة، من شأنه أن يجعل الدعم أكثر عدالة وشفافية، وأن يحد من التفاوت في الاستفادة بين المناطق والفئات الاجتماعية.
ومن المطالب الملحة أيضًا إخراج بطاقة الإعاقة إلى حيز التنفيذ الفعلي، بما يضمن الاعتراف بوضعية أصحابها وتيسير استفادتهم من الخدمات والامتيازات التي يكفلها القانون.
فالبطاقة، إذا أُرفقت بمنظومة واضحة للاستفادة، يمكن أن تشكل مدخلًا لتسهيل الإجراءات الإدارية، والحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية، والاستفادة من تسهيلات النقل والتعليم، وفق ضوابط عادلة وشفافة. لكن نجاحها يظل مرتبطًا بوضوح شروط الحصول عليها، وسهولة مساطر إصدارها، ووجود تنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية.
ولا ينبغي أن تتحول البطاقة إلى مجرد وثيقة إدارية إضافية، بل يجب أن تكون وسيلة عملية تترجم الحقوق إلى خدمات ملموسة، وتخفف من معاناة الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم.
إن استمرار معاناة الأشخاص في وضعية إعاقة، رغم تعاقب الحكومات والوزارات، يطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاعة السياسات المتبعة، وحول الأسباب التي تحول دون الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ.
فالمطلوب اليوم هو إرادة سياسية واضحة، وخطة وطنية بجدول زمني محدد، وميزانية معلنة، ومسؤوليات مؤسساتية مضبوطة، إلى جانب إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة والجمعيات التي تمثلهم في صياغة القرارات وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
إن كرامة هذه الفئة لا ينبغي أن تبقى رهينة الوعود أو المبادرات الظرفية، كما أن التعليم والعلاج والتنقل ليست امتيازات تمنح عند توفر الإمكانات، بل حقوق أساسية ينبغي العمل على ضمانها بصورة منصفة ومستدامة.
لقد آن الأوان للانتقال من تدبير ملف الإعاقة بمنطق الانتظار إلى معالجته بمنطق الحقوق والمسؤولية. فالأشخاص في وضعية إعاقة لا يطالبون بالشفقة، بل بالإنصاف، ولا ينتظرون وعودًا جديدة، بل إجراءات ملموسة تعيد إليهم الثقة في المؤسسات وتضمن لهم مكانتهم الكاملة داخل المجتمع المغربي.



