
تأملات حول المرسوم رقم 217.618 المتعلق بالميثاق الوطني للاتمركز الاداري
أنفا بريس : صديق يوسف : إطار بالكلية المتعددة التخصصات بتازة
باحث بسلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية
مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية
مقدمة:
شكل إخراج الميثاق الوطني المتعلق باللاتمركز الإداري إحدى التحديات والأوراش الإصلاحية المهمة التي ارتكزت عليها الحكومة بعد خطاب العرش لسنة 2018، وذلك في إطار مواكبة تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، وتأتي مقتضيات هذا الميثاق لنسخ أحكام المرسوم الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 1993 في شأن اللاتمركزا لإداري، وكذلك أحكام المرسوم الصادر بتاريخ 2 دجنبر 2005 بشأن تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واللاتمركزالإداري. ويعتبر اللاتمركز الإداري تنظيما إداريا مواكبا للتنظيم الترابي اللامركزيللدولة القائمة على الجهوية المتقدمة، وأداة أساسية لتفعيل السياسة العامة لدولة على المستوى الترابي، قوامة نقل السلط والرسائل، ومنح الاعتمادات الضرورية لفائدة المصالح اللاممركزة على المستوى الترابي، من أجل تمكينها من القيام بالمهام المنطوية بها، واتخاذ المبادرة تحقيقا للفعالية والنجاعة والاتقائية في البرامج مع الجماعات الترابية. فما هي المستجدات التي جاء بها هذا الميثاق؟ وهل يشكل نقله نوعية الارتقاء بالمصالح اللاممركزة تدعيما لتنزيل الجهوية المتقدمة؟
المبحث الأول: الدعائم الكبرى لسياسة اللاتمركز الإداري
يشكل المرسوم المتعلق باللاتمركزالإداري نقلة نوعية في سياسة التنظيم الإداري بالمغرب بالنظر للأهمية التي تكتسيها المصالح اللاممركزة في تنزيل السياسة العامة للدولة على المستوى الترابي، وأيضا من خلال تدعيم دور الجماعات الترابية في تفعيل سياستها في مختلف المجالات.
المطلب الأول: على مستوى الهياكل
ينص الميثاق المتعلق باللاتمركز الإداري على مرتكزين اثنين :
تعتبر الجهة إحدى الوحدات الترابية التي يعول عليها لقيادة ورش الجهوية المتقدمة، وذلك بالنظر للمكانة التي احتلتها في الوثيقة الدستورية لسنة 2011 ، فالجهة ستكون هي موطن المصالح اللاممركزة لمختلف القطاعات الوزارية وفضاء لصنع القرار الترابي، وذلك عبر التنسيق مع الإدارة المركزية وتمثيلياتها على المستوى الترابي.ومن مزايا هذا الوضع أنه يمكن من تجميع مختلف الحاجيات المعبر عنها من طرف التمثيليات الإقليمية على المستوى الجهوي، وبالتالي صياغة استراتيجية عمل على مستوى عمل كل قطاع في انسجام مع السياسة العامة للدولة، إضافة إلى تقليص الجهد والزمن المخصصين للبحث عن تلك الحاجيات والمشاكل وتسطير الحلول لها، حيث يبقى دور الإدارة المركزية في هذا الصدد هو إعداد البرامج التي لها بعد وطني، في حين أن كل ما هو جهوي تتكلف به المصالح اللاممركزة، إنطلاقا من خصوصيات كل جهة على حدى.
كما يوفر التوطين الجهوي لسياسة اللاتمركز الإداري، تعزيز التنسيق والتعاون مع مجلس الجهة ورئيسه في مختلف البرامج التنموية حسب الأولويات وحاجيات كل اقليم داخل الجهة.
– الدور المحوري لوالي الجهة : يعتبر الوالي ممثل للسلطة المركزية على مستوى الجهة يضطلع بتنسيق عمل المصالح اللاممركزة للدولة ، والسهر على حسن سيرها من أجل تحقيق الفعالية والنجاعة في أداء مهامها ، وتستند هذه الوظيفة إلى فلسفة اللاتمركز الإداري القائمة على نقل جزء من السلطة التقريرية من المركز إلى المحيط، اعتبارا لكون الوالي ممثلا لتلك السلطة المركزية يتطلب الأمر وجوده داخل هده المنظومة من أجل فرض التطبيق الأمثل للقانون، وتوحيد جهود المصالح اللاممركزة جهويا لتكون دعامة أساسية للجهة من أجل تحقيق الإلتقائيةفي البرامج التنموية.
الفقرة الثانية: اللجنة الجهوية للتنسيق
من أجل اطلاع الوالي بمهام التنسيق لأنشطة وأعمال المصالح اللاممركزة للدولة والمؤسسات العمومية على المستوى الجهوي، نص الميثاق الجديد على إحداث اللجنة الجهوية للتنسيق تضم عمال العمالات والأقاليم على مستوى الجهة، الكاتب العام للشؤون الجهوية، رؤساء مصالح الدولة اللاممركزة ثم المسؤولون عن المراكز الجهوية للاستثمار وعن المؤسسات العمومية الجهوية ، ونعتقد أن التنصيص على هاته اللجنة من حسنات هذا الميثاق، وتلك لاعتبارين أساسيين: أولا وجود هذه اللجنة على المستوى الجهة على غرار اللجنة الإقليمية الموجودة على مستوى العمالة والأقاليم، تظم هذه اللجنة في تركيبتها مختلف المسؤولين عن تنفيد سياسة اللاتمركز الإداري وستشكل فضاءا كل شهر للحوار وإبداء الرأي والاقتراح، مما سيمكن من تحقيق الالتقائية في المشارع والبرامج والتتبع والمواكبة، وتدليل كل الصعوبات التي تواجه تحقيق تلك المشارع ، كما أنها تشكل آلية رسمية للتنسيق تمسك محاضرها لدى الكتابة العامة للشؤون الجهوية،وهذا سيمكن في تتبع تنفيد الإلتزامات كل الأطراف المعنية ، فالمشاكل التي ظلت تتخبط فيها الإدارة المغربية إن على المستوى الترابي أو حتى المستوى المركزي هو غياب آليات للتنسيق والتتبع فعالة بمؤشرات أداء حقيقتيه لمختلف المشاريع والبرامج التنموية.
الفقرة الثالثة: الكتابة العامة للشؤون الجهوية
نص ميثاق اللاتمركز الإداري في المادة الخامسة على أن سياسة اللاتمركز الإداري تقوم على مرتكزين أساسيين الجهة ثم والي الجهة.
فاعتبارا للدور المحوري لوالي الجهة في تفعيل سياسة اللاتمركز الإداري عمل المرسوم على التنصيص على البنيات الادارية الضرورية لعمل مؤسسة الوالي ومساعدتها في اضطلاع بتنزيل سياسة اللاتمركز الإداري لتشكل رافعه للجهوية المتقدمة، وعلى غرار اللجنة الجهوية للتنسيق المشار إليها سابقا نصت المادة 33 من المرسوم على إحداث بنية إدارية إسمها ” الكتابة العامة للشؤون الجهوية ” تحت سلطة والي الجهة، وستتكلف هاته الكتابة العامة بتقديم المساعدة لوالي الجهة للاضطلاع بمهامه في التنسيق والتتبع والمواكبة لأعمال المصالح اللاممركزة .
إن التنصيص على إحداث كتابة عامة للشؤون الجهوية يعبر عن رغبة المشرع الحتيتة للتنزيل الفعلي لسياسة اللاتمركز الإداري على اعتبار أن هذا هو المكون والمرتكز الرابع للجهوية المتقدمة التي لا يمكن أن تستقيم بدونه، فالدور المحوري لواي الجهة في سياسة اللاتمركز الإداري يفرض إيجاد آليات وبنيات إدارية تساعده وتمده بكل المعطيات للاضطلاع بوظيفة التنسيق.
المطلب الثاني: على مستوى علاقة التمثيليات الترابية مع الإدارة المركزية وممثليها
لقد عمل الميثاق على توضيح النظام العلائقي للمصالح اللاممركزة للدولة بشكل واضح سواء فيما يخص العلاقة بتلك المصالح اللاممركزة مع الإدارة المركزية (أولا) أو مع ممثليها على مستوى الجهة “الوالي” (ثانيا)
أولا: علاقة المصالح اللاممركزة بالإدارة المركزية
إن العلاقة العمودية بين السلطة المركزية ومصالحها اللاممركزة على المستوى الجهوي أصبحت أكثر وضوحا وإقناعا مما كانت عليه على الأقل على المستوى النص، حيث ينص الميثاق الجديد على ضرورة قيام كل قطاع حكومي بتمكين مصالحه اللاممركزة التابعة له بالصلاحيات التي تتيح له اتخاذ المبادرة في تفعيل السياسات الحكومية للقطاع المعني، أي تتحدث هنا عن تخويل سلطة تقريرية لتلك المصالح اللاممركزة ستمكنها من تنزيل المشاريع والبرامج القطاعية جهويا في انسجام مع السياسة العامة للدولة، وذلك تحت إشراف والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم من خلال وظيفة التنسيق .
وقد حدد الميثاق عمل المصالح اللاممركزة من خلال وضع القطاعات الحكومية على المستوى المركزي للتصاميم المديرية للاتمركز الإداري والتي ستحدد النقاط التالية:
– الاختصاصات خصوصا تلك التي تكتسي طابعا تقريريا، وتلك التي سيتم نقلها للمصالح اللاممركزة والتي ستكون موضوع تفويض.
– الموارد البشرية والمادية التي ستوضع رهن إشارة المصالح اللاممركزة لممارسة اختصاصاتها.
– الأهداف المراد تحقيقها من قبل المصالح اللاممركزة ومؤشرات قياس نجاعة أدائها.
– البرمجة الزمنية المتعلقة بتنفيذ مضمون التصاميم المديرية، حيث يتم تقييم تنفيذها وتحيينها سنويا.
الفقرة الأولى: التعاقد كآلية لتنزيل التصاميم المديرية جهويا
سيتم تنزيل التصاميم المديرية للاتمركز الإداري بالنسبة لكل قطاع في إطار تعاقدي بين القطاع المعني ووالي الجهة ورؤساء المصالح اللاممركزة الجهوية المعينة، حيث تمثل التقنية التعاقدية آلية ايجابية تنطوي على التفاوض واتفاق الإرادات والبحث، وإلى الاجماع أو التوافق، وهي كلها عناصر تخضع لقواعد الحكامة الجيدة ، كما أن التقنية التعاقدية تسمح بتلطيف الوصاية التقليدية والانتقال إلى وصاية حديثة على المصالح اللاممركزة، تقوم على تقييم بعدي حسب مؤشرات الأداء المحددة في التصاميم المديرية ، وللعقد كذلك أهمية في التقنين والضبط، فتخويل السلطة التقريرية لرؤساء المصالح اللاممركزة يتطلب تطبيق المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة مما يمكن من تحديد مسؤوليات كل طرف.
إن التقنية التعاقدية ستمكن بلا شك في توضيح العلاقة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة جهويا مما سيساعدها في ممارسة الاختصاصات المنوطة بها لتكون دعامة أساسية في تنزيل ورش الجهوية المتقدمة التي لا يمكن أن تقوم بدون إدارة لاممركزة تتوفر على كل السلطات التقريرية.
الفقرة الثانية: التوجيه والتقييم
إن تخويل المصالح اللاممركزة للسلطات التقريرية لممارسة اختصاصاتها الموكلة إليها يقتضي إعمال قواعد الحكامة الجيدة من خلال احتفاظ الإدارة المركزية بوظيفة الدعم والتوجيه والتقييم لعمل هذه المصالح، وتلك بتنسيق مع والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم حيث يقتضي التأكد مما يلي :
– مدى احترام المصالح اللاممركزة للمبادئ المنصوص عليها في المرسوم المتعلق باللاتمركز الإداري، وكذا الإلتزمات المتضمنة في التصاميم المديرية.
– مدى تنفيذها للالتزمات الملقاة على عاتقها سواء تلك المنصوص عليها في التشريعات الجاري بها العمل أو تلك المنصوص عليها في الاتفاقيات والعقود المبرمة مع الإدارات المركزية.
– مدى التزامهابالإجراءاتالواجب التقيد بها في ممارسة اختصاصاتها وفي هذا الإطار، يتم إعداد تقيم مستوى أداء المصالح اللاممركزة للبث في خلاصاته من طرف الإدارات المركزية المعنية وإرسال نسخة منه إلى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم، حيث سيمكن التقرير الادارة المركزية من تتبع عمل المصالح اللاممركزة وتدليل مختلف الصعوبات التي تعترض عملها، كما أن الوالي أو العامل من خلال خلاصات التقييم سيتمكن من تجويد عملية التنسيق مع المصالح اللاممركزة بهدف مساعدتها في ممارسة اختصاصاتها.
كما أن علاقة الادارات المركزية بمصالحها اللاممركزة لا تقتصر على التوجيه والتقييم، بل إن الأمر يقتضي دعم تلك المصالح بالموارد البشرية الضرورية والمؤهلة ووضع برامج للتكوين المستمر قصد تنمية قدرات الأطر العاملة بها.
ثانيا: على مستوى علاقة الولاة والعمال بالمصالح الممركزة
يحدد الدستور في الفصل 145 الإطار العام لعلاقة ولاة الجهات وعمال العمالات والاقاليم بالمصالح اللاممركزة للدولة من خلال تنسيق أنشطة لتلك المصالح والسهر على حسن اشتغالها وذلك تحت سلطة الوزراء المعنيين .
وتمثل وظيفة التنسيق أخد أهم عناصر التسيير الإداري، فهي آلية تساهم في تسهيل عملية التواصل بين الادارات والانتقال من إدارة التسيير الى إدارة التدبير، لذلك تم التنصيص عليها في أسمى قانون وهو الدستور. ووعيا من المشرع بأهمية وضرورة وظيفة التنسيق مع المصالح اللاممركزة في إنجاز أعمالها في إطار مشترك ومنسجم، أعتبر والي الجهة منسقا لأنشطة المصالح اللاممركزة للدولة وساهرا على حسن سيرها.
إن وضيفة التنسيق والاشراف لأنشطة المصالح اللاممركزة تساهم في توحيد الجهود بين تلك المصالح على مستوى الجهة لتنفيذ المشارع والبرامج التي تدخل في اختصاصها أو تلك التي تندرج في إطار اتفاقيات وعقود، كما أن سلطة التنسيق تساهم في التقائية المشاريع على المستوى الجهوي من خلال تعزيز الامكانيات وتوفير الزمن لتحقيق التنمية المحلية للجهة.
وتعتبر اللجنة الجهوية للتنسيق المنصوص عليها في المادة 31 من الميثاق الإطار القانوني لممارسة وظيفة التنسيق تضم مختلف الفاعلين على المستوى الترابي للجهة من عمال العمالات والاقاليم والكاتب العام للشؤون الجهوية ورؤساء المصالح اللاممركزة والمسؤولون عن المراكز الجهوية للاستثمار والمؤسسات العمومية الجهوية الأخرى، حيث يعول عليها لتكون فضاء للاقتراح والتشاور والتتبع والتقييم لمختلف المشارع والبرامج التنموية في مختلف القطاعات على مستوى الجهة، ونعتقد أن المشرع كان موفقا لما نص على إحداث هاته اللجنة لتكون آلية قانونية لممارسة والي الجهة لوظيفة تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة، بالنظر لشساعة المجال الترابي للجهة بعد التقسيم الجهوي الجديد، مما يعني زيادة عدد المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية على مستوى الجهة، وأيضا توسيع اختصاصاتها، لذلك فاللجنة الجهوية للتنسيق تحت رئاسة والي الجهة سيكون على عاتقها توحيد الجهود وضمان انسجام والإلتقائية في العمل لتنزيل لاتمركز إداري فعال يكون رافعة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية والبيئية، إلى جانب الجهة كجماعة ترابية تضطلع بنفس المهام، وبالتالي تحقيق ذلك التقاطع الإيجابي بين المعنين والمنتخب.
المبحث الثاني: اخفاقات الميثاق وآليات تعزيزه
يعتبر الميثاق الجديد المتعلق بلاتمركز الإداري نقلة نوعية في مجال تقوية الادارة اللاممركزة لتكون كمساند لتنزيل الجهوية المتقدمة، وذلك من جهة الاختصاصات التي ستخول للمصالح اللاممركزة والرقى بهاته المصالح الجهوية والاقليمية الى مرتبة مديريات وأقسام بالإدارة المركزية على التوالي. ومن جهة أخرى عبر توضيح العلاقة بين الادارة المركزية ومصالحها اللاممركزة، وبين هاته الأخيرة والجماعات الترابية، وكل ذلك تحت الاشراف الأفقي للوالي أو العامل. ورغم كل ذلك يبقى هذاالميثاق تعترضه بعض النواقص سواء على مستوى كيفية عمل تلك المصالح اللاممركزة وآليات تنزيل جل الاختصاصات التي ستنقل إليها أو على مستوى الحصور المكثف لممثل الادارة المركزية وكيفية ممارسته لوظيفة التنسيق.
المطلب الاول: الغموض على مستوى هيكلة المصالح اللاممركزة
من خلال تحليل مضامين الميثاق الجديد للاتمركز الاداري يتبين الغموض الذي يكثف هيكلة المصالح اللاممركزة للدولة، حيث يتحدث الميثاق على المصالح اللاممركزة على مستوى الجهة وأيضا على مستوى الإقليم، دون تحديد العلاقة بين المصالح اللاممركزة جهويا مع نظرتها إقليميا داخل نفس القطاع، وحتى إذا سلمنا بتبعية مصالح اللاممركزة الاقليمية لنظيرتها الجهوية، فالمرسوم لم يحدد أوجه تلك التبعية، فإذا كان رؤساء المديريات الجهوية يعتبرون الرؤساء المباشرون لنظرائهم على مستوى الإقليم، فإن ذلك يقتصر على انجاز تقارير التقييم لهؤلاء الرؤساء على مستوى الوالي أو العامل وإرسالها إلى الوزراء المعنيين دون الزامية التقيد بها في التأديب، كما أن الغموض يتضح على مستوى المهام التي ستنجزها المصالح اللاممركزة الإقليمية عن طريق الاتفاقيات والعقود التي ستبرمها مع الجماعات الترابية دون إلزامية الرجوع لرؤساء المديريات الجهوية، حيث من الممكن أن تؤدي هاته الممارسة الى غياب الرؤية الالتقائية في المشارع والبرامج وإذا كانت وظيفة التنسيق المنوطة بمؤسسة الوالي أو العامل ستضمن الانسجام في عمل المصالح اللاممركزة في علاقتهما مع الادارة المركزية ومع الجماعات الترابية، فإن من شأن هاته الوظيفة أن تتقزم وتنقص مادام مدراء المصالح اللاممركزة سيضلون تابعين لوزرائهم المعنيون باعتبارهم السلطة الرئاسية، حيث ليس هناك ما يلزم هؤلاء المدراء الإلتزام بتعليمات ممثل الدولة ( الوالي أو العامل) دون الرجوع لوزرائهم.
الفقرة الاولى: فقدان الوظيفة التنسيقية للولي للوسائل الجبرية
لقد نص الدستور المغربي لسنة 2011 على المهمة التنسيقية للوالي ولم يحدد الاليات التي يمكن للوالي الاعتماد عليها من أجل العمل على توحيد القرار الجهوي، وإذا كان الميثاق نص على اللجنة الجهوية للتنسيق كآلية قانونية لمساعدة الوالي في وظيفة التنسيق، فإن ذلك يبقى رهينا بمدى استجابة رؤساء المصالح اللاممركزة لقرارات وتوصيات اللجنة، ففي ظل السلطة الرئاسية لوالي الجهة باعتباره منسقا للمصالح اللاممركزة هل يمكن لهذا الاخير أن يحل محل المرؤوس أي رؤساء المصالح اللاممركزة في حالة عدم التقيد بتوجيهاته؟
إن هذه الإمكانية يصعب تطبيقها نظرا لكون المصالح اللاممركزة تزداد تخصصا في ممارسة أنشطتها مما يتطلب التوفر على مهارات تدبير خاصة ، كما أن مسألة حلول الوالي محل رؤساء المصالح اللاممركزة قد يثير مشكل الاختصاص أي من هو المسؤول الذي من حقه اتخاذ هذا التدبير هل هو الوزير المختص أو والي الجهة نفسه؟
يمكن القول أن المرسوم اتخذ موقفا وسطا كسابقه من هذه المسألة، حيث لم يعترف لوالي الجهة بسلطة فعلية وكاملة على رؤساء المصالح اللاممركزة، وإنما منحه سلطة إشراف مباشرة فقط، حيث يقوم الوالي بالإشراف على المصالح اللاممركزة وتنسيق أنشطتها وفي حالة وقوع بعض الأمور التي من شأنها عرقلة السير العادي لتلك المصالح، فإن الوالي يقوم بإحالة الامر على الوزير المعني وتوجيه تقارير التي تدعم موقفه ليقوم هذا الاخير باتخاذ ما يراه مناسبا.
المطلب الثاني: تقوية مكانة للمصالح اللاممركزة
تمثل المصالح اللاممركزة للدولة اليد اليمنى من أجل النهوض بالجهوية المتقدمة، فالتنمية أصبحت اليوم شأنا ترابيا لا يمكن تحقيقها إلا من خلال دعم سياسة اللاتمركز الاداري عبر خلق أقطاب جهوية تواكب التقسيم الجهوي ومدهابسلطات تقريرية.
الفقرة الاولى: خلق أقطاب جهوية
يعتبر الفضاء الجهوي فضاءا مفضلا لسياسة اللاتمركزالإداري، وذلك لكون الجهة في مفهومها الحالي يعول عليها لتكون قاطرة لتحقيق التنمية الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والبيئية. وهذا المبتغى لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال وجود أقطاب لمختلف القطاعات الوزارية على صعيد كل جهة تكون المخاطب الوحيد مع رئيس الجهة أي التركيز على البعد الجهوي للمصالح اللاممركزة بدل البعد الإقليمي، حيث أن المرسوم الجديد المتعلق بميثاق اللاتمركز الإداري يسوده الغموض، حيث يتحدث عن المصالح اللاممركزة على مستوى الجهة أو الاقليم دون تحديد درجة كل منهما وكأنهما في مستوى واحد وهو ما لا يتلائم مع المنظور الجهوي الجديد الذي يركز على الفضاء الجهوي لقيادة ورش التنمية الشاملة والمندمجة.
وعندما نتحدث عن أقطاب جهوية تقنية، لا ينبغي ذلك أن يكون هناك تجميع للمصالح اللاممركزة على مستوى العمالة أو الإقليم بمركز الجهة فحسب، بل معنى ذلك أن تعطى لهذه المصالح اختصاصات هامة في مجال تدبير وتنسيق أعمال وشؤون المصالح اللاممركزة المتواجدة على مستوى العمالات والأقاليم التابعة لها، وأن تكون عونا وسندا للمصالح الاقليمية اللاممركزة تغنيها من اللجوء في كل صغيرة وكبيرة إلى الادارة المركزية، لذا ينبغي تمكينها من جميع الوسائل القانونية والبشرية والمادية لتمثيل القطاع الحكومي جهويا على أحسن وجه، كما ينبغي على المديريات الجهوية القيام بمهام الاشراف والمراقبة على المديريات الاقليمية ومختلف المصالح التابعة للقطاع الحكومي المعني، ويجب أن تسند لرؤساء المديريات الجهوية سلطة تقييم أداء المصالح رؤساء المديريات الاقليمية وأن يرتكز هذا التقييم بالدرجة الأولى على مدى مساهمتهم في تحقيق التنمية الجهوية
خاتمة
إن الهدف من سياسة اللاتمركز الإداري يجب أن يكون هو البحث عن دعم مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعات الترابية، وبلورة دورها في انسجام مع الأهداف المسطرة على مستوى كل قطاع، وذلك تماشيا مع الأهداف الكبرى التي تبناها المغرب في السنوات الأخيرة من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وإصلاح الإدارة، وبصفة عامة وفق ما جاء به خطاب جلالة الملك خلال ترأسه افتتاح الدورة من السنة التشريعية الأولى بتاريخ 14 أكتوبر 2016، حيث تم التأكيد أن إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكيات والعقليات وجودة التشريعات.
تازة في 15 أبريل 2022



