
قانون المسطرة الجنائية وإجراءات البحث في الجريمة الرقمية: تناغم أم تنافر.
أنفا بريس // المصطفى السعداني
باحث في صف الدكتوراه
يعتبر البحث والتحقيق في الجرائم المعلوماتية مسألة في منتهى الأهمية والتعقيد لاعتبارات التأهيل العلمي المستمر والتجارب المكتسبة لهيئات إنفاذ القانون والعدالة الجنائية، ولعل حداثة هذه الجرائم تقتضي من القائمين بالبحث والتحقيق دراية كافية بها، فلا يجدي أن يختبئ رجال تطبيق القانون بالخلفية القانونية فقط وإنما يتحتم أن يتمتع أيضا بتجربة تقنية في هذا المجال .
ويعد التحقيق في الجرائم المعلوماتية من المساطر الجنائية التي تتأثر بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المحيط القانوني .
فماهي مظاهر القصور والمحدودية في تعامل قواعد المسطرة الجنائية مع الجرائم المعلوماتية (أولا) ثم ماهي الإجراءات المستحدثة الخاصة بالتحقيق في الجرائم المعلوماتية (ثانيا).
أولا: على مستوى إجراءات التفتيش والحجز في الجرائم المعلوماتية.
لا غرو أن النصوص العامة لقانون المسطرة الجنائية هي المطبقة في المواجهة الجنائية الإجرائية للجريمة المعلوماتية والغاية من هذا الطرح هي محاولة إظهار قصور بعض القواعد الإجرائية لقانون المسطرة الجنائية في التعامل مع جرائم الوسط الرقمي المتميزة بالتطور المضطرد ومرد ذلك إلى:
أ: خصوصية إجراءات البحث الخاصة في الجرائم المعلوماتية
تكون الجريمة مسلكا اختياريا يشكل فعلا أو تركا يجرمه القانون ويعاقب غليه بمقتضاه بالجزاء اللازم في حق الفاعل، والذي لا يصدر إلا بسلوك مجموعة من المساطر حددها مشرع المسطرة الجنائية .
وأن الهدف من خلال مختلف الشكليات الجديدة والتي تهم البحث عن الجريمة المعلوماتية وإلزام بعض الجهات بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون، هو تسهيل عمل هذه الأجهزة للتصدي للجريمة الرقمية وضبط مرتكبيها .
حسب منطوق المادة 57 من قانون المسطرة الجنائية فضباط الشرطة القضائية ملزمزن بالانتقال في الحال إلى مكان ارتكاب الجريمة وإجراء المعاينات اللازمة للحفاظ على الأدلة من الاندثار والتلف.
فالمهمة الأساسية لضباط الشرطة القضائية تنحصر مبدئيا في التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها .
إلا أنه ومن خلال مضمون المادة 57 من قانون المسطرة الجنائية يلاحظ غياب ما يفيد النص على التأكيد على سرعة حفظ البيانات، أو ما يلزم مزود الخدمة بالكشف عن البيانات والوثائق، وبالتالي وإن كان منطوق المادة 57 يفيد بأنه قد يشمل حتى الجريمة الماسة بالوثيقة المعلوماتية، غير أنه ومع التطور الذي تعرفه هذه الجرائم حبذا لو تم استحداث تدابير ومقتضيات ملائمة لهذا الصنف الجديد من الجرائم تؤكد على عنصر الاستعجال في حفظ المعلومات المضمنة في وثائق المعالجة الآلية على سندات رقمية وتفرض على مزود الخدمة الكشف عن هذه المعلومات .
وبالرجوع لأحكام المادة 114 من قانون المسطرة الجنائية نجدها تؤكد على الإذن للقيام بعمليات التقاط الاتصالات المرخص لها وتسجيلها ونسخها وحجزها، من خلال الحصول على المعلومات والوثائق الضرورية للتعرف على الاتصال الذي المعني بالالتقاط من أي مستغل لشبكة عامة أو مصلحة للاتصالات، فإنها تبقى غير ذات جدوى و محدودة لارتباطها بمسطرة التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد والخاصة بجرائم محددة حصرا في المادة 108 من ق م ج ، لا تدخل في نطاق الجرائم الرقمية، علاوة على ارتباطها بقاضي التحقيق والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والوكيل العام للملك لديها، وهو ما يستوجب استحداث تدابير ملزمة لمقدمي الخدمة من أجل مد سلطات البحث بالبيانات والمعلومات والوثائق المطلوبة الأمر الذي أكدت عليه العديد من التشريعات المقارنة كما هو الحال بالنسبة للمشرعين البلجيكي والفرنسي .
وبالنسبة لموقف المشرع المغربي يلاحظ أنه قد وضع في اعتباره عنصر الزمن في جمع الأدلة الجريمة حسب المادة 57 من ق م ج، حيث يتعين على ضابط الشرطة القضائية233 الانتقال بشكل مستعجل إلى محل ارتكاب الجريمة لإجراء المعاينات الواجبة، وأن يحافظ على الأدلة القابلة للاندثار، وذلك بصرف النظر عن طبيعة هذه الجريمة، علما بأن الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي كالسرقة والتزوير ينطبق عليها هذا الوصف لأنها يمكن أن يكون وقت ارتكاب الجريمة قصيرا، مما يسهل اندثار معالمها سريعا .
وبالرجوع إلى المقتضيات الواردة في اتفاقية بودابست نجدها متماثلة – ولو نسبيا – مع مقتضيات قانون المسطرة الجنائية .
غير أن التنافر بين مقتضيات اتفاقية بودابست وقانون المسطرة الجنائية المغربي يظهر من خلال أحكام المادتين 20 و21 من الاتفاقية المرتبطتين بصلاحية السلطات المختصة في التجميع الآني لبيانات الحاسوب عبر تسجيل أو جمع أو إرغام مقدم الخدمة في إطار تمكنه التقني على تسجيل أو جمع سير البيانات المقترنة باتصالات معينة (المادة 20)، وصلاحية الاعتراض على مضمون البيانات والمستندات (المادة 21) وبالرجوع لأحكام ق م ج، يلاحظ أنها لم تنظم آلية الاعتراض على البيانات وتجميعها بل الأكثر من ذلك نجد المشرع المغربي قد عاقب على كل اعتراض للبيانات من خلال الفصلين 232 و 444 من القانون الجنائي، الأمر الذي يستلزم وضع تدابير تمكن الجهة المشرفة المخول لها مهمة البحث من اعتراض مضمون البيانات والتجميع الفوري لهذه الأخيرة وتلزم مزودي الخدمات بتقديم المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب .
ب: خصوصية التفتيش والحجز في الجرائم المعلوماتية
تعتبر آلية التفتيش من آليات التحقيق التي تهدف إلى البحث عن أشياء تتعلق بالجريمة، تختص به فرق متخصصة طبقا للمقرر قانونا في محل يتمتع بحرمة، من أجل التوصل إلى أدلة مادية لجريمة تحقق وقوعها، لإثباتها أو نسبتها لفاعلها .
فالمبدأ في التفتيش أنه إجراء يرمي إلى ضبط أشياء مادية تتعلق بجريمة معينة أو تساعد في الكشف عن الحقيقة ومنتهاه دوما هو الوصول إلى الدليل المادي الملموس، وهذا ما يتعارض مع الطبيعة غير المادية لبرامج وبيانات الحاسب الآلي، لانتفاء أي تمظهر مادي ملموس .
وفي ظل الجدل حول تناغم قواعد قانون المسطرة الجنائية مع الخصوصية التي تطبع التفتيش والحجز في الجرائم المعلوماتية انبرى هناك توجهان:
اعتبر التوجه الأول أن أحكام المادتين 59 و 60 من قانون المسطرة الجنائية نصت على قواعد إجرائية يمكن أن تشمل كأصل عام حتى الجرائم المقترفة في الفضاء الرقمي وأن هناك توافقا مع ما نصت عليه المادة 19 من اتفاقية بودابست ، حيث أن المادة 60 من ق م ج، نصت على مقتضيات عامة تنظم التفتيش كإجراء تخضع له كافة الجرائم بغض النظر عن طبيعتها بما فيها الجرائم الرقمية، في حين خولت المادة 59 من نفس القانون لسلطات البحث والتحقيق صلاحية حجز الأوراق والوثائق أو أشياء أخرى في حوزة الأشخاص أو الأشياء المتعلقة بالأفعال الإجرامية .
في حين اعتبر الاتجاه الثاني أن المادة 59 بشكلها الحالي لا تفي بالمطلوب لأنها مادة اقتصرت فقط على الوثائق الورقية، والحال أنه يتعين اعتماد صيغة مطلقة يدخل في نطاقها جميع الوثائق بما في ذلك الرقمية، وبالتالي إتاحة إمكانية الولوج إلى الوسائط الإلكترونية والتحفظ على البيانات واستغلال مضامينها في البحث لاعتمادها كأداة عند الاقتضاء .
لأنه وفي غياب إطار قانوني خاص يسمح بالولوج إلى النظام المعلوماتي ويحدد الشروط التي يمكن معها الدخول إليها وإجراء التحريات اللازمة فيها بحثا عن المعطيات المفيدة للبحث، فيمكن القول إن قانون المسطرة الجنائية لا يتضمن استجابة صريحة لمتطلبات البحث وتفتيش قاعدة المعطيات الآلية كما أنه من الصعب اعتبار سكوت قانون المسطرة الجنائية عن تنظيم حجز المعطيات غير المادية وفي غياب نص صريح القبول بتسجيل أو تحميل المعطيات الرقمية دون اللوازم أو أجزاء الحاسب التي وجدت فيها .
وأمام تضارب هذه الاتجاهات فإن الاتجاه الأخير يبقى الأقرب إلى الصواب، وما يزكي هذا الاتجاه هو أنه في غياب نص قانوني يسمح بإمكانية تفتيش جهاز الحاسوب وحجز الأدلة الالكترونية الموجودة فيه، فإن الأجهزة المكلفة بالبحث والتحري لا زالت تعتمد على القواعد التقليدية في تعاملها مع الجرائم المعلوماتية حيث تلجأ للتفتيش والحجز بمفهومها المادي.
وأمام الفراغ التشريعي المغربي في هذا المجال فإنه يتعين على المشرع، تعديل النصوص العامة بما يلائم خصوصيات البحث والتحري في الجرائم المعلوماتية على اعتبار أنها النصوص التي تطبق في جميع الأحوال، كقانون المسطرة الجنائية الفرنسي الذي نص من خلال المادة 56 على أنه: ” في حالة ما إذا كانت الجريمة المرتكبة مما يمكن إثباته بواسطة معطيات أو وثائق معلوماتية توجد في حوزة الغير، فإنه يمكن لضابط الشرطة القضائية أن ينتقل إلى مقر هذا الأخير لإجراء تفتيش وتحرير محضر في الموضوع”، كما نصت الفقرتين الخامسة والسادسة من المادة 56 أيضا على أنه ” يتم حجز المعطيات والبرامج المعلوماتية الضرورية لإظهار الحقيقة بوضع الدعامات المادية المتضمنة لهذه المعلومات رهن إشارة العدالة أو بأخذ نسخ منها بحضور الأشخاص الذين حضروا التفتيش.”
ثانيا: تناغم مشروع قانون المسطرة الجنائية مع خصوصية التحقيق في الجرائم الرقمية.
لعل ما يميز المجرم المعلوماتي هو المهارة والذكاء والمعرفة بنظام الفضاء الرقمي وهو أمر لا يتأتى للجميع مما يضفي على هذه الجرائم طابع الخصوصية ويحتم على المشرع التدخل باستمرار لسن تعديلات على النصوص الإجرائية بشكل يناسب هذا التطور.
ولأجل ذلك حاول المشرع المغربي من خلال مشروع قانون المسطرة الجنائية إدخال تعديلات من شأنها أن تجعل إجراءات البحث الخاصة وكذا آليتي التفتيش والحجز تتسع لتشمل حتى البيانات والوثائق والأدوات والمعطيات الرقمية.
أ: على مستوى إجراءات البحث الخاصة في الجرائم المعلوماتية .
لقد حاول مشروع قانون المسطرة الجنائية تحقيق الانسجام مع مختلف الشكليات الإجرائية الخاصة في مجال البحث عن الجرائم المعلوماتية.
لذلك تم استحداث بعض القواعد الإجرائية الجديدة من خلال هذا المشروع والتي بإمكانها أن تساعد أجهزة إنفاذ القانون في البحث عن هذه الجرائم وضبطها، حيث خولت المادة 60 من مشروع قانون المسطرة الجنائية لضابط الشرطة القضائية أن يستدعي أي شخص لسماعه إذا تبين له أن بوسع هذا الشخص أن يمده بمعلومات حول الأفعال أو الأسماء أو الوثائق أو المستندات أو المعطيات الإلكترونية أو الأشياء المحجوزة، وأن يرغمه على الحضور في حالة امتناعه بعد إذن من النيابة العامة .
والملاحظة الرئيسية من خلال استقراء هذه المادة، أن المشرع المغربي قد جاء بمقتضى جديد من خلال مشروع قانون المسطرة الجنائية مكن من خلاله إمكانية استدعاء الأشخاص الذين في وسعهم التعاون مع السلطات المشرفة على البحث للإدلاء بالمعلومات التي يتوفرون عليها واللازمة لسير أعمال البحث والتحري في الجرائم المعلوماتية، وتجدر الإشارة إلى أن المقتضيات السالفة الذكر يمكن أن تطبق كذلك على مزودي الخدمات باعتبارهم أيضا يحوزون وثائق إلكترونية من شأنها المساعدة في البحث والكشف عن الجرائم الواقعة على هذه الأخيرة أو التي يمكن إثباتها بواسطتها.
كما خولت المادة 108من مشروع ق م ج للوكيل العام للملك إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث، أن يلتمس كتابة من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف إصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخد نسخ منها أو حجزها إذا كانت الجريمة موضوع البحث تمس بنظام المعالجة الآلية للمعطيات.
غير أنه يجوز للوكيل العام للملك في حالة الاستعجال القصوى بصفة استثنائية أن يأمر كتابة بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة ب وسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخد نسخ منها وحجزها متى كانت ضرورة البحث تقتضي التعجيل خوفا من اندثار وسائل الإثبات إذا تعلق الأمر بالجرائم الماسة بنظام المعالجة الآلية للمعطيات .
ويظهر من خلال مقتضيات المادة 108 الحالية، وذلك بالسماح للوكيل العام للملك بإمكانية إصدار أمر بالتقاطها أو حجزها سواء بعد أخد إذن من رئيس المحكمة أو دون إذن من أجل ذلك، عند الاستعجال وذلك إذا كانت الجريمة موضوع البحث تتعلق بالجرائم الماسة بنظام المعالجة الآلية للمعطيات غير أن واضع مشروع ق م ج احتفظ بالمادة 57 بشكلها ولم يشر إلى إمكانية التحفظ العاجل على البيانات أو ما يفيد التأكيد على سرعة حفظ هذه البيانات والوثائق الالكترونية .
ب: على مستوى شكليات التفتيش والحجز في الجرائم المعلوماتية.
لقد أكد المشرع المغربي عزمه على الانتقال من الجانب الإجرائي التقليدي، إلى إضفاء الطابع الرقمي التكنولوجي على الإجراءات الزجرية فقد أدخل المشرع مجموعة من التعديلات ضمن مشروع قانون المسطرة الجنائية، بشكل يجعل إجراءات التفتيش والحجز تتسع لتشمل حتى الوثائق الإلكترونية كمظهر من مظاهر الحماية الإجرائية لهذه الأخيرة حيث جاء في المادة 59 من مشروع قانون المسطرة الجنائية السابق الذكر على أنه: “إذا كان نوع الجناية أو الجنحة مما يمكن إثباته بحجز أوارق أو وثائق أو أشياء أخرى في حوزة أشخاص يظن أنهم شاركوا في الجريمة، أو يحوزون مستندات أو وثائق أو معطيات أو أدوات معلوماتية أو أشياء تتعلق بالأفعال الإجرامية” .
كما أعطت نفس المادة الصلاحية بالتفتيش في جميع الأماكن التي يمكن أن يعثر فيها على مستندات أو وثائق أو معطيات أو أشياء مفيدة في إظهار الحقيقة، كما يستفاد من مضمون المادة 60 من نفس القانون على أنه إذا كان التفتيش سيجرى في منزل شخص من الغير يحتمل أن يكون في حيازته وثائق أو مستندات أو معطيات معلوماتية أو أشياء مرتبطة بالأفعال الإجرامية، فإنه يجب حضور هذا الشخص لعملية التفتيش، وإذا تعذر ذلك وجب أن يجرى التفتيش طبقا لما جاء في الفقرة السابقة .
أما فيما يخص المعطيات والبيانات الالكترونية والتي قد تشكل دليلا لإثبات الجريمة فقد نصت المادة 59 من المشروع على أنه:” يتم حجز المعطيات والبرامج المعلوماتية الضرورية لإظهار الحقيقة بوضع الدعامات المادية المتضمنة لهذه المعلومات رهن إشارة العدالة أو بأخذ نسخ منها بحضور الأشخاص الذين حضروا التفتيش وتوضع رهن إشارة العدالة ، ولا يحجز ضابط الشرطة القضائية إلا المستندات أو الوثائق أو المعطيات أو الأدوات المعلوماتية المفيدة في إظهار الحقيقة.
وانطلاقا مما سبق، وفيما يتعلق بالجدل القائم بين الفقه فيما يخص مدى قابلية بيانات ومعطيات الكمبيوتر للتفتيش والحجز، فالمشرع المغربي قد حسم هذه النقطة من خلال مشروع قانون المسطرة الجنائية، وذلك انتصارا لصالح الاتجاه الذي كان ينادي بضرورة التنصيص صراحة على إمكانية قابلية المعطيات والوثائق المعنوية الالكترونية للحجز والتفتيش كون قواعد النصوص التقليدية تبقى قاصرة على استيعابها واحتواءها من جميع الجوانب.



