
المرأةجهاتفن ومهرجاناتمجتمع
أعمال فطيمة الحميدي توقع بقلم الفنان التشكيلي والناقد فني محمد خصيف
أنفابريس : محمد خصيف – فنان تشكيلي وباحث جمالي.. متابعة :سهام الناصري
“أي عمل فني هو، في النهاية، لغز كبير. في التحليل النهائي، أي تفسير لفظي غير كاف. وأخيرا نبقى في مقدمة العمل بانطباعاتنا “. برنارد مايرز
فطيمة الحميدي أستاذة الفنون التشكيلية وفنانة مغربية، نشيطة وموهوبة، ملتزمة بفنها. فنانة لا تتوقف أبدًا عند الكشف عن أسرار إبداعها من خلال المعارض والملتقيات الفنية والثقافية والكثير من المبادرات المجتمعية. فهي تقف وراء تحقيق مشاريع فنية وازنة، يتردد صداها داخل المشهد الفني الوطني وخارجه.
وأنا أتصفح صور لوحات الفنانة القديرة فطيمة الحميدي، أثارت انتباهي التركيبات المتباينة الغائصة في عوالم من الأخضر المتفاوت الحدة. تعطي التركيبات المتلقي انطباعًا بأنها تواجه لغزًا مجزءًا. إنه انبهار مع ثراء لوني غير متجانس. تتفوق تأثيرات المواد الشفافة في بعض الأحيان على اللون، أكثر من ذلك، على الموضوع نفسه، الذي يمتنع عن إفساح المجال أمام لوحة صارخة، ذات شخصية رصينة، حكيمة في بعض الأحيان.
لم أتواجد بحضور لوحات حقيقية وإنما صور لوحات فقط، وكما قيل الصورة خيالو وخيالو ماشي بحالو. لكن رغم ذلك فهذه الصورة/لخيال كشفت عن سر حركية شديدة القوة عبرت عنها اللطخات التي رُمِي بها بشدة لا توصف وبعنف حاد، عنف يعكس الحالة النفسية المقيدة لحالة الإبداع التي كانت تعيشها الفنانة وقت إنجازها هذا العمل المتميز والأصيل. عمل أصيل من ناحية كونه يتحدى كل عمليات النسخ والتقليد، فحتى الفنانة نفسها، مهما حاولت، لن تفلح في إعادة إنتاج لهذا العمل مثيلا، لأن السياقات التي باتت محيطة بشخصية فطيمة الحميدي لن تكون حاضرة مرة أخرى. فسياقات الإبداع فرصة لا تتحين مرات تلو المرات ولا تتكرر أبدا وقتما شاء المبدع. يجب القبض عليها عند أول فرصة أو ستنفلت إلى الأبد وتترك صاحبها مغمورا في حيرة وشجون أبديين.
اللون الأخضر كما يتم تنفيذه بواسطة إيماءات فطيمة الحميدي ليس ظاهرة موضوعية تنبع من العالم الخارجي المادي، ولكن “في النهاية ظاهرة ذاتية تماما والتي هي فينا”. يصبح اللون هو السمة الوحيدة للوحة، على الرغم من وجود كائنات تحاول ربط التكوين بهوية الطبيعة، فتجعل العمل الفني ينفلت من سجل التجريد المحايد. رغم ذلك نرى أن اللوحات فقدت كل القيمة التمثيلية لصالح القيمة المتأصلة للألوان، والتي تتيح هيكلة العمل وفقًا لديناميكية الإيماءات والتوترات والتضاد.
الخلفيات المتقدة، الملونة بلوحة من الألوان الباردة/الحارة، تتأرجح بين مجموعة من الأزرق والأخضر والأحمر، تثبت حضورها فقط لتأكيد إبعاد الشكل النقي لحساب البقع الرقيقة والدقيقة.
من خلال هذه العملية الإبداعية الحكيمة، تظهر لنا الفنانة عالماً في العالم، ومساحات في الفضاء، وعوالم مصغرة في الكون الكبير. هذا التناقض هو ثمرة حركة مزدوجة من تدمير/ بناء لا تمحى. أحيانا تقوم الفنانة بترقيع المساحة التشكيلية المدمرة بأشكال ورسومات تقترب من التشخيص، ولا توجد بقع حمراء إلا لتُقوي نغمة اللون، وكأنها نقرة نوتة موسيقية. فحضورها لإضافة نغمة صوتية للتكوين ليس إلا. في مواجهة هذا التأثير الغامض والموحي للألوان الذي تجعلنا الفنانة فطيمة الحميدي نواجهه. أحيانًا، أمام بعض اللوحات، نواجه هذه الظاهرة النفسية دون معرفة السبب. علاوة على ذلك، نجد أنفسنا، منغمسين في “عالم روحي، مليء بالأصوات” كما وصفه كاندينسكي.









