
أسئلة الرسم والكتابة في رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب .عنوان ندوة للجمعية المغربية للباحثين في الرحلة. آنفا بريس وضمن فقرة باقلامهم اخترنا لكم هذه المتابعة الصحافية للاستاذة فاطمة العوني.
أنفا بريس :
عقدت الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة عشية مساء السبت 14 ماي 2022 بفضاء الحرية بعين الشق بالدار البيضاء ندوة ثقافية بعنوان “بين الرسم والكتابة: قراءات في رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب” شارك فيها كل من المفكر الجمالي موليم العروسي والروائي والقاص الحبيب الدايم ربي والرسام والروائي أحمد جاريد، ونسّق فعالياتها الروائي والناقد الأكاديمي شعيب حليفي.

استهلّ شعيب حليفي، اللقاء بكلمة أثنى فيها على عمل الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة، مبرزا أنها تشتغل منذ تأسيسها قبل عامين بجدية وكثافة في التعريف بكل تمظهرات النص الرحلي بالمغرب والعالم العربي. وتوقّف عند الجهد الكبير الذي يبذله مترجم “رحلة دولاكروا إلى المغرب” عبد الكبير الشرقاوي في صمت ونكران للذات، مؤكدا في الآن ذاته حضوره الكبير داخل المغرب وخارجه.
في ورقته الموسومة بـ”دولاكروا الرسام الذي يحكي لوحاته” طرح الحبيب الدائم ربي، في البداية، جدوى التذكير بأوجين دولاكروا في كتاب، بعد مرور أكثر من قرن ونصف على وفاته، وجدوى ترجمة رحلته. هل يكفي كونه قد زار المغرب أم لأن لأعماله الإبداعية قيمة مطلقة غير محكومة بشروط خارجية؟ بعد ذلك، قدّم عرضا توصيفيا لمشمولات الكتاب: التقديم الضافي الذي وضعه المترجم، اليوميات، الرسائل، المقالات، الكروكيات، اللوحات… وهي مشمولات متفاعلة نصيا على غرار ثنائية المتن والهامش، أو النص المركزي والمُناصات. ولعل هذا التضافر والتجاور من شأنهما تحرير فعل تلقي الكتاب، إذ يمكن للقارئ أن يسلك سبُلا متعددة لا تتوافق بالضرورة مع تنظيم المادة من قبَل المترجم.
كما حاول الحبيب الدائم ربي تسليط الضوء على تجربة دولاكروا في الرسم والكتابة، بصفة عامة، وكما بسطها الأستاذ الشرقاوي في كتابه، وخلص إلى مجموعة من الأسئلة، المتصلة بالسياق العام الذي كان له بلا شك أثر في شهرة دولاكروا، لخّصها في: هل يمكن نفي النزعة الاستعلائية عن دولاكروا لمجرد أنه ادّعاها أو لمجرد أن المراجع التي اعتمدها المترجم تدّعيها، من دون أن يعني ذلك التشكيك في أهمية دولاكروا كرسّام وكاتب.
وأكّد موليم العروسي، في بداية ورقته، على جودة الترجمة، التي قام بها عبد الكبير الشرقاوي، وبرّر عنوان مداخلته “دولاكروا، الرحالة، الإثنوغرافي أم الفنان؟” بكونه ينسجم والأسئلة التي يطرحها هذا الرسام العبقري، فهناك فعلا لوحات حكاها فقط ولم يكن بالإمكان رسمها أو ترجمتها بتقنيات ترتبط بعمل الفنان. وأوضح أن اهتمام المغاربة به له ما يبرره.
وتساءل موليم العروسي عن الدوافع التي حثّت دولاكروا على المجيء إلى المغرب، مبرزا أن كلاما كثيرا قيل في هذا الشأن، تماما كما هي الحال مع بيير لوتي في مرحلة لاحقة، قبل أن يجيب بأن السبب الرئيس فني بالدرجة الأولى، إذ كان يبحث عن مواضيع جديدة، خصوصا أنه ينتمي إلى التيار الرومانسي. وبيّن العروسي أن دولاكروا، شأن صديقه اللدود، الفنان جيريكو، كان يميل للاشتغال على الحضارات القديمة حيث تسود الحياة الطبيعية البسيطة، كما كان يشتغل على النصوص والكتب. وأوضح العروسي أن من بين أهم الكتّاب الذين تأثر بهم دولاكروا اللورد بيرون، الشاعر الإنجليزي المعروف، خصوصا كتابه “موت سالندبار”، الذي ظهر عام 1821 واستلهمه دولاكروا في لوحة شهيرة بنفس الاسم عام 1827، وهو كتاب عن عوالم الشرق والحريم.
وأورد العروسي أن دولاكروا كان متشبّعا بصور الكتاب عن شبق نساء الشرق وجاء إلى المغرب باحثامتشبّعا بصور الكتاب عن شبق نساء الشرق وجاء إلى المغرب باحثا عن الحريم كي يرسمه، بيد أنه فوجئ بأن ما يوجد في الواقع لا علاقة له بالأدبيات السائدة في أوروبا. وأكد موليم العروسي أن أهم ما اكتشفه دولاكروا في المغرب كان هو النور، الذي أحدث ثورة، ليس فقط في أسلوب الفنان نفسه، وإنما أساسا في تاريخ الرسم عموما، بشكل مهّد للحداثة في مجال الرسم والتشكيل. وقد أنهى العروسي ورقته بالقول إنه مع دولاكروا بدأت حركة فنية حداثية وغدا الفن تفكيرا.
وفي الورقة الأخيرة، عبْر شريط من 15 دقيقة، عرَض أحمد جاريد لتفاصيل تلك الدَّفاتر السَّبعة التي رسم فيها دولاكروا ودوَّن مشاهد وانطباعات رحلته من طنجة إلى مكناس ذهاباً وإيّاباً، خلال ما يربو عن شهر إبّان تلك البعثة الدبلوماسية التي حملت رسالة من الملك لوي فيليب إلى السّلطان المولى عبد الرحمان سنة 1832م، واعتبرها أحمد جاريد مرجعاً أساسياً للمشاريع الفنية لدولاكروا، تضمّنت انطباعات حكائية تم استثمارها لاحقاً وحوّل المشاهد المرتبطة بها إلى لوحات مائية أو زيتية.
وأكد أحمد جاريد أن رسومات دولاكروا المستعجَلة بتقنية الرصاص والحبر والصباغة المائية ذات متعة بصرية فائقة، وذات قيمة إثنوغرافية وتاريخية وحتى أدبية، نظراً لجودة صياغة حواشيه التي انفردت بتخليد المغرب فنّياً، بعيداً عن تلك النّظرة الاستشراقية المتعالية التي نهجها نظراؤه من الفنّانين. وبرّر اعتماد دولاكروا على هذه الدفاتر في كونها تسمح له بأخذ رسوم بأقلام الرصاص وتسجيل نقط في الهامش، وتقييد معطيات عن لوحاته ومشاريعه الفنية..
اللقاء تميز بتدخلات الحاضرين طرحوا خلالها مميزات الرحلة بتصورات متميزة أثارت إعجاب كل الحاضرين ونالت تصفيقاتهم.



