
فن ومهرجانات
حين يُزهر الضوء في كفّ التلميذ: مهرجان سينما التلميذ في نسخته السادسة يُعيد الاعتبار للحلم البصري داخل المدرسة
أنفابريس
في زمنٍ تصخب فيه العوالم بالضوضاء، ووسط زمن تربوي مأزوم في كثير من تجلياته، بزغ صباح الخميس 24 أبريل 2025، كإشراقة استثنائية، حين تحوّلت مؤسسة ابن تومرت الثانوية التأهيلية – مديرية أنفا، إلى منصة سينمائية تربوية تنبض بالحياة والإبداع، مع انطلاق النسخة السادسة من مهرجان سينما التلميذ، الذي تنظمه باقتدار جمعية فرح للتنمية والثقافة والفنون، بشراكة تربوية نوعية ترسّخ قناعة راسخة: أن السينما ليست فقط فنّاً جميلاً، بل تربية جمالية، وأداة لتأصيل الحُلم وتنمية الذائقة البصرية في قلب التلميذ.

منذ اللحظات الأولى، تشكّلت ملامح يوم غير عادي، إذ كان الموعد مع ورشة فنية في الإخراج والتشخيص، أطرها الفنان المبدع زكرياء عاطفي، الذي فتح للتلاميذ بوّابة التقمص الفني، كاشفاً لهم أسرار بناء الشخصية، وإدارة الجسد في الفضاء المسرحي، وتوجيه الانفعال لاجتراح صدق تعبيري، يجعل من الأداء أكثر من مجرد تمثيل: يجعله حياةً ثانية تنبض من عمق التجربة الشعورية. كانت الورشة أشبه برحلة في كواليس الذات، حيث يتقاطع الفن مع البوح، والحركة مع الصمت، والنص مع ما لا يُقال.
وفي المساء، انتقل الجمهور من خشبة الجسد إلى شاشة الفكر، مع ندوة فكرية عميقة حول السينما التربوية، ساهم فيها نخبة من الأسماء التي تنسج بالكاميرا قناديل للوعي: قاسم ديفي، إسماعيل هرويت، عائشة برام، وعبد الحق فكّاك. تحوّل اللقاء إلى مختبر نقدي وفلسفي تناول فيه المتدخلون جدلية الفن والتربية، وكيف يمكن للصورة أن تتحوّل من وسيلة للترفيه إلى فضاء للتفكير، ومرآة للذات، وسؤال مفتوح حول معنى التعلُّم في عصر الرقمنة.

وفي لحظةٍ شعرية تُعيد الاعتبار للكلمة، شهد المهرجان توقيع العمل الأدبي المؤثر “لو كان الفتى حجر” للكاتب قاسم ديفي، الذي مزج في هذا المؤلف بين قسوة التجربة ورقّة التعبير، في سردٍ يشبه نقشاً على صفحة الذاكرة، يتأرجح بين وجع الطفولة، وحكمة الألم، وتيه الهوية. كان التوقيع أكثر من احتفال بكتاب؛ كان طقساً أدبياً يعيد تمجيد فعل القراءة في زمن الصورة.
ويتواصل المهرجان يوم الجمعة 25 أبريل، بورشة بالغة الأهمية في فن كتابة السيناريو، من تأطير السيناريست المتألق طه إسماعيل، حيث سيغوص المشاركون في عوالم الحكاية البصرية: كيف تُبنى العقدة، ومتى يُكسر الإيقاع، وكيف تُخلق شخصيات لا تُنسى، بأسلوب يجعل من السيناريو نصًّا حيًّا، لا مخطوطاً جامداً.
وستُتوَّج هذه التجربة الرائدة بـسهرة فنية كبرى بالمركب الثقافي سيدي بليوط، تُعرض خلالها إبداعات التلاميذ، وتُكرَّم طاقاتهم المتألقة، في احتفالية تُشبه نُزهة في بستان الضوء، حيث تتحوّل المدرسة من جدران صامتة إلى مسرح نابض بالحياة، ومنهج مفتوح على الإبداع والابتكار.

لقد أكّد مهرجان سينما التلميذ، في حلّته السادسة، أن التلميذ حين يُمنَح الكاميرا، لا يصوّر فقط ما يراه، بل يُعيد كتابة العالم بلغته، يُواجه القبح بالجمال، والسطحية بالعمق، ويُحوّل المدرسة إلى بيتٍ جديد للمعنى.
هكذا تتجدد القناعة بأن التربية الفنية ليست نشاطاً هامشياً، بل رافعة للتحوّل المجتمعي، ومدخل للحرية، ومختبر لصناعة جيل يؤمن بأن الحكاية حين تُروى بعدسة صادقة، تصبح فعلاً من أفعال المقاومة الجميلة.




