انفا بريس

الإعلام المغربي في مفترق طرق: بحث مستمر عن نموذج اقتصادي ينقذه من أزمته

أنفابريس :

في الوقت الذي يُحتفى فيه باليوم العالمي لحرية الصحافة، تطفو إلى السطح أزمة عميقة تُواجهها المؤسسات الإعلامية المغربية، أزمة تتجاوز سقف الحريات إلى صميم الاستمرارية الاقتصادية والقدرة على البقاء في بيئة إعلامية تتغيّر بسرعة، وتحت ضغط عائدات مالية تتقلّص باستمرار.

دراسة حديثة سلطت الضوء على الوضع الراهن للقطاع، وأكدت أن أغلب المؤسسات الإعلامية لا تزال تُصارع من أجل إيجاد نموذج اقتصادي بديل يُنقذها من أزمة خانقة باتت تهدد وجودها. فقد أثبت الاعتماد التقليدي على المبيعات الورقية والإعلانات التجارية محدوديته، بل وفشله في كثير من الأحيان، ما جعل المؤسسات أمام تحديات جديدة ومعقدة.

تجارب الاشتراكات المدفوعة، التي تبنّتها بعض المنصات الرقمية والصحف، لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة، إذ لم يرقَ عدد المشتركين إلى مستوى يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في مداخيل المؤسسات. أما الإعلانات، فقد تراجعت بشكل لافت، خاصة مع تحوّل جزء كبير من السوق الإعلانية نحو المنصات الرقمية الكبرى مثل فيسبوك ويوتيوب، مما قلّص حصة الإعلام المحلي من هذا المورد الحيوي.

التحول نحو الرقمنة لم يكن هو الآخر حلاً سحريًا. فرغم الانتشار الواسع للإعلام الإلكتروني، فإن الاعتماد على عائدات “أدسنس” أو نسب المشاهدة على اليوتيوب لا يكفي لتغطية التكاليف التشغيلية، خصوصًا في ظل ارتفاع نفقات الإنتاج وجودة المحتوى، ناهيك عن المنافسة الشرسة مع محتوى مجاني وسريع الانتشار غالبًا ما يُفتقد فيه إلى الجودة والمهنية.

أزمة كوفيد-19 زادت الطين بلة، فقد تراجعت مبيعات الصحف إلى أقل من 100 ألف نسخة يوميًا، والمجلات والدوريات إلى حدود 25 ألف نسخة، وهي أرقام تُظهر الانهيار الكبير في سوق كانت تعاني أصلًا من التراجع قبل الجائحة. هذا الانخفاض الحاد في الطلب جعل من الصعب على العديد من المؤسسات الاستمرار دون تدخلات عاجلة.

رغم أن الدولة توفّر دعماً مالياً عمومياً للقطاع، إلا أن هذا الدعم يظل مشروطًا بمجموعة من الضوابط الإدارية والقانونية، مما يحد من أثره في تحقيق استقرار فعلي للمؤسسات. وبدل أن يُشكّل حافزًا للتطوير، كثيرًا ما يتحوّل إلى عبء إضافي يُعمّق هشاشة هذه الأخيرة.

المستقبل يفرض التفكير في نماذج تمويل بديلة، أكثر مرونة واستدامة، من قبيل العضوية، التمويل الجماعي، رعاية المحتوى، أو حتى التعاونيات الإعلامية. كما أن استعادة ثقة الجمهور تبقى حجر الأساس لأي محاولة للإصلاح، إذ لا يمكن أن يستقيم الوضع الاقتصادي دون محتوى يرقى إلى تطلعات المتلقي ويجعل من القارئ أو المشاهد شريكًا في إنقاذ هذا القطاع الحيوي.

في النهاية، لا مستقبل للصحافة بدون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوي دون استقلالية مهنية وابتكار متجدد. الإعلام المغربي يقف اليوم عند مفترق طرق، ولا خيار له سوى التغيير، أو مواجهة خطر الزوال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى