
صمت الجمهورية عزلة سياسية ام هروب من التغيير ؟
أنفابريس //
كانت المنطقة العربية تعيش تحولات سياسية كبرى، منذ ثمانينيات القرن الماضي، ظلت الجزائر في عزلة شبه تامة عن دينامية التغيير، كأنها تسير في خط زمني موازٍ. فمن ثورات الربيع العربي إلى الانتفاضات الشعبية، كانت الجزائر تراقب من بعيد، أو تُغرق نفسها في صمت الدولة العميقة، متحججة بماضٍ دموي
عاشت الجزائر تجربة مريرة خلال “العشرية السوداء” في تسعينيات القرن الماضي، حين تحوّلت أول محاولة للانفتاح السياسي إلى حمام دم، بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية عام 1992. هذا الجرح العميق زرع في الوعي الجماعي الجزائري خوفًا مزمنًا من التغيير السريع أو المفاجئ، وهو ما استغلّته السلطة لبناء سردية تقوم على “الاستقرار مقابل الجمود”.
في 2011، اجتاحت رياح التغيير المنطقة العربية، من تونس إلى مصر وسوريا واليمن، لكن الجزائر ظلت شبه محصّنة، بفضل توزيع ريعي سخِيّ أطفأ مؤقتًا الغضب الشعبي. إلا أن غياب إصلاحات سياسية حقيقية، واستمرار نظام الحُكم نفسه، زاد من عمق الهوّة بين الشعب والنخب الحاكمة.
في 2019، كسرت الجماهير حاجز الصمت، بخروجها في حراك شعبي غير مسبوق، أطاح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكنه لم ينجح في تغيير المنظومة السياسية جذريًا. فالنظام أعاد إنتاج نفسه عبر واجهات جديدة، وبقيت المطالب الجوهرية، مثل دولة مدنية وفصل حقيقي للسلط، عالقة في عنق زجاجة.
طوال أربعة عقود، فشلت السلطة في التفاعل الخلّاق مع التحولات العربية، وفضّلت سياسة الانغلاق، سواء على مستوى الحريات السياسية أو الإصلاحات الاقتصادية. ورغم احتياطاتها المالية الضخمة في فترات سابقة، لم تُستثمر لبناء ديمقراطية متينة، بل استُخدمت كأداة للشراء الاجتماعي وتسكين الأزمات.
يواجه الشارع الجزائري اليوم مفترق طرق جديد: إما أن يستعيد زخمه ويُفعّل وعيه السياسي مجددًا، أو أن يدخل مرحلة لا مبالاة تُغذيها خيبة الأمل من تجربة الحراك. أما الدولة، فما زالت تفتقر لرؤية إصلاحية شجاعة تُعيد ربط الثقة بين الحكم والشعب.
لم تعد العزلة السياسية خيارًا، في زمن تنفجر فيه الشعوب مطالبة بالكرامة والعدالة. وإذا كانت الجزائر قد اختارت الغياب عن المخاض العربي لعقود، فإن المستقبل لن ينتظر كثيرًا، ولا بد من صحوة حقيقية تعيد لهذا البلد العريق مكانته الطبيعية في خارطة التغيير العربي.



