ثقافة وتراث

التبوريدة …صهيل الأصالة ودخان البارود في زمن العولمة

أنفابريس //

في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتختلط فيه الثقافات وتتداخل الهويات، تبقى التبوريدة، أو الفروسية التقليدية المغربية، أحد أقوى رموز التعبير عن الذات الجماعية للمغاربة، وجسرًا متينًا بين الماضي والمستقبل. من قلب الساحات الترابية، ومن بين هدير الخيول ودخان البارود، يرفع المغرب صوته عاليًا: “تراثنا حي… ومستقبلنا من جذوره ينبت.”

 

وفي هذا السياق، تُمثل جائزة الحسن الثاني للفروسية التقليدية لحظةً وطنية بامتياز، ليست فقط احتفالًا بالموروث الثقافي، بل تأكيدًا على أن التقاليد المغربية ليست حبيسة الذاكرة، بل رهان حضاري يواجه المستقبل بعنفوان الخيول وصهيل الانتماء.

تجمع هذه التظاهرة، التي تُنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، عشرات السربات من مختلف جهات المملكة، حيث يتحول الفضاء إلى مسرح مفتوح تنبض فيه الأرض، وتتجلى فيه دقة التنسيق، وجمال اللباس، وهيبة الفرسان، في مشهدية لا تقل فخامة عن أعظم الإنجازات في ميادين الرياضة والفن.

التبوريدة ليست مجرد طقس احتفالي، بل هي مدرسة في الانضباط، والوفاء للجذور، والتعبير عن الذات بطريقة جماعية تستمد روحها من عمق التاريخ المغربي. وقد تمّ الاعتراف بها سنة 2021 من قبل منظمة اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للبشرية، مما زاد من إشعاعها العالمي، ودعم حضورها في الملتقيات الدولية.

وفي تصريح لأحد “المقدّمين” المشاركين، يقول: “نحن لا نأتي فقط لركوب الخيل، بل نحمل معنا ذاكرة قبائل، وتقاليد أجداد، ورسالة إلى الأجيال القادمة: حافظوا على ما يميزكم.”

هكذا، وفي زمن تسود فيه الثقافة الرقمية، تظل التبوريدة فعل مقاومة ناعمة، ترفض الذوبان في نمط استهلاكي معولم، وتعيد التأكيد بأن الحداثة الحقيقية لا تلغي الأصالة، بل تنبت منها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى