
بوعبيد فوق خزان ماء لأسبوعين… نداء استغاثة في وجه مؤسسات لا تصغي
أنفابريس // عبد الرحمان بوعبدلي
في مشهد غريب ومؤلم، صعد الشاب بوعبيد إلى خزان ماء ورفض النزول طيلة أسبوعين، مخاطراً بحياته في سبيل مطلب واحد: فتح تحقيق في وفاة والده، التي يصفها بـ”الغامضة”. هذا السلوك غير العادي ليس سوى انعكاس لانعدام الثقة المتنامي بين المواطن وبعض المؤسسات، ولعله تعبير صادم عن ما أصبح يعرف بـ”الاستغاثة الصامتة” في مغرب اليوم.
بوعبيد، الذي كان يمكن أن يكون مجرد اسم عابر في حي شعبي، تحوّل إلى رمز لصوت لم يجد من يصغي إليه. لا هو مجرم ولا مختل، بل شاب صرخ بأعلى صوته من فوق منصة غير مألوفة: خزان مياه. رفض النزول رغم محاولات الإنقاذ، بل وقاوم رجال الوقاية المدنية والدرك، ليس بدافع العدوان بل بدافع الإحباط واليأس.
ليس من المنطقي اعتبار ما قام به بوعبيد سلوكًا منحرفًا بقدر ما هو مؤشر على اختلالات عميقة في منظومة التواصل بين المواطنين والإدارات. فحين تصبح المؤسسات مغلقة، أو يظهر للمواطن أنها كذلك، يلجأ إلى أساليب يائسة لإيصال صوته.
السلطات العمومية، من جهتها، لم يكن دورها سوى الإنقاذ، وقد نجحوا في مهمتهم بسلام، لكن بقي السؤال الأهم معلقًا: لماذا اضطر بوعبيد إلى الوصول إلى هذه النقطة؟ لماذا لم تُفتح له الأبواب؟ لماذا لم يجد من يصغي لمطلبه البسيط: تحقيق في ملابسات وفاة والده؟
بوعبيد لم يطلب سوى تحقيق، لكنه اضطر ليطلب تدخل أعلى سلطة في البلاد، العاهل الملك محمد السادس، ليعيد إليه الأمل في العدالة. حين يلجأ المواطن إلى رأس الدولة في قضايا محلية بسيطة، فهذا يعني أن هناك خللًا ما يجب أن يُعالج في الأسفل.
اليوم، نجا بوعبيد، ونجا رجل الوقاية، ونجا الدركي، لكن المؤسسة لا يمكنها أن “تنجو” من هذا السؤال الجوهري: هل ما زالت تستحق ثقة المواطن؟
إن هذه الحادثة ليست مجرد قصة مأساوية فردية، بل جرس إنذار حقيقي يدعو إلى إصلاحات عميقة في طريقة تواصل المؤسسات مع المواطنين، وفي آليات التفاعل مع قضاياهم، قبل أن يجد بوعبيد آخر نفسه فوق خزان ماء، وحيدًا، يصرخ في صمت.



