
الصويرة الجديدة.. مقبرة للأحياء
أنفا بريس //
على بُعد عشرة كيلومترات فقط من قلب مدينة الصويرة، حيث تعج الحياة بالنشاط والحركة، ترقد منطقة الغزوة – أو ما بات يُعرف بـ”الصويرة الجديدة” – في عزلة تامة، وكأنها خارج الزمن.
حيّ سكني يقطنه أكثر من عشرة آلاف نسمة، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم، وسط مشهد يومي يطبعه الإهمال والتهميش.
عند أول خطوة داخل الحي، يستقبل الزائر مزيج من الحفر والأتربة، وأكوام من النفايات المنتشرة عند كل زاوية. الأزقة غير معبدة، الإنارة العمومية غائبة، والمرافق العمومية شبه منعدمة.
لا وجود لحدائق أو فضاءات خضراء، ولا ملاعب للقرب تفتح المجال أمام الأطفال والشباب للتنفس أو الإبداع. أما وسائل النقل، فإما منعدمة أو لا تحترم الحد الأدنى من شروط السلامة والكرامة، ما يعمّق عزلة الساكنة عن وسط المدينة.
في ظل هذا الوضع، يواجه الشباب واقعًا قاتمًا؛ لا أندية، لا مكتبات، ولا أنشطة ثقافية أو فنية تُخرِجهم من دوامة الفراغ. نتيجة لذلك، تنتشر مظاهر الانحراف والإدمان بشكل مقلق، حيث تحوّلت بعض الأزقة إلى فضاءات مفتوحة لاستهلاك وترويج المخدرات.
وإن كانت التدخلات الأمنية المتكررة قد حدّت من الانفلات، فإن الثمن كان باهظًا: شباب كثر وجدوا أنفسهم خلف القضبان، لا لشيء سوى أنهم ضحايا التهميش وانعدام البدائل.
أثناء جولة ميدانية، رفض العديد من شباب الحي الحديث أو الظهور أمام الكاميرا. البعض عبّر عن تخوفه من “الصداع”، كما وصفوه، في إشارة إلى احتمال التعرض للمضايقات أو المتابعة.
هذا الصمت لا يعكس فقط غياب الثقة في المؤسسات، بل أيضًا تراجعًا خطيرًا في الوعي الجمعي، وانطفاء شعلة الأمل لدى فئة واسعة من السكان.
الوضع في “الصويرة الجديدة” لا يحتمل المزيد من التجاهل. فكل المؤشرات تنذر بانفجار اجتماعي محتمل، في منطقة تختنق تحت وطأة الإهمال.
تحولت من مشروع حضري كان يُنتظر منه أن يكون نموذجًا للتنمية إلى بؤرة تُفرّخ الهشاشة، وتُفرز جيلاً يشعر بالإقصاء والانكسار.
أمام هذا المشهد القاتم، تبقى المجالس المنتخبة والجهات الوصية مطالبة بتحمل مسؤوليتها، والتدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالصويرة الجديدة ليست مجرد نقطة على هامش الخريطة، بل مجتمع كامل يستحق الحياة والكرامة، لا أن يُترك لمصير مجهول.
فهل من يملك الجرأة ليكسر جدار الصمت؟



