
الدار البيضاء//وفاة مواطن أمام مستشفى ابن رشد تُعيد فتح ملف “كارثة المستشفيات العمومية”
أنفا بريس //
عادت الكارثة المستمرة في قطاع الصحة العمومي إلى واجهة النقاش الوطني، بعد حادث مؤلم وقع في محيط المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بمدينة الدار البيضاء، حيث توفي مواطن مريض في وضع صحي حرج أمام بوابة المستشفى، بعد أن مُنع من ولوج قسم المستعجلات لتلقي العلاج، وفقًا لشهادات من عين المكان.
الضحية، الذي ظل ينتظر دون تدخل طبي، لفظ أنفاسه الأخيرة في الشارع، في مشهد وثقته مقاطع فيديو وصور انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت موجة استياء عارمة في صفوف المواطنين والفاعلين المدنيين، الذين وصفوا الحادث بـ”الوصمة الجديدة في جبين قطاع الصحة العمومي”، محمّلين إدارة المستشفى والطاقم المناوب مسؤولية ما جرى.
الحادث لم يكن صادمًا فقط بسبب الوفاة خارج مؤسسة يُفترض أن تكون ملاذًا للعلاج، بل أيضًا بسبب روايات شهود عيان الذين أكدوا أن المواطن طُلب منه الانتظار خارج المستشفى دون تقديم أي تدخل طبي عاجل، رغم حالته الصحية المتدهورة.
وعبّر مواطنون وفاعلون جمعويون وحقوقيون عن استنكارهم لما وصفوه بـ”الإهمال المتكرر” داخل المستشفيات العمومية، متسائلين عن دور وزارة الصحة في مراقبة وتدبير مثل هذه الحالات، ومعتبرين أن استمرار مثل هذه السلوكيات يضرب في العمق الثقة في المنظومة الصحية الوطنية.
الواقعة أعادت أيضًا طرح سؤال مؤرق حول تعامل الأجهزة الأمنية مع المواطنين داخل المؤسسات الصحية. إذ يتساءل العديد من النشطاء: “لماذا لا يتم تحرير محاضر ضد مسؤولي المستشفيات عندما يتعرض المواطن للإهمال أو الرفض؟”، بينما تُسارع إدارة المستشفيات إلى استدعاء الأمن عند أدنى احتجاج من ذوي المرضى، وتُحرَّر محاضر بتهم “إثارة الفوضى” و”عرقلة عمل المرفق العمومي”.
ويؤكد هؤلاء أن هذا التفاوت في التعامل يكشف اختلالاً عميقًا في توازن العلاقة بين المواطن والإدارة الصحية، ويضعف ثقته في العدالة والمؤسسات.
إلى حدود كتابة هذه السطور، لم تصدر إدارة مستشفى ابن رشد أو وزارة الصحة أي بلاغ رسمي لتوضيح ملابسات الحادث، ما زاد من غضب الرأي العام، ودفع أصواتًا مدنية وحقوقية للمطالبة بفتح تحقيق عاجل ومستقل، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح.
كما طالبت هيئات حقوقية بإعادة النظر في طرق تدبير أقسام المستعجلات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوفير الشروط الأساسية للتكفل الإنساني والعاجل بالمرضى، بعيدًا عن أي حسابات إدارية أو عراقيل أمنية غير مبررة.
ليست هذه الواقعة الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة من الحوادث التي تكررت في السنوات الأخيرة، وفضحت هشاشة البنية الاستشفائية العمومية، خاصة في ما يتعلق بضعف التأطير، ونقص الموارد البشرية، وتردّي شروط الاستقبال، وضعف الاستجابة الفورية للحالات الحرجة.
في ظل هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بإصلاح جذري وحقيقي لقطاع الصحة، يستحضر كرامة الإنسان قبل كل شيء، ويضع حدًا لعبارات باتت مألوفة في المشهد الصحي المغربي: “مات وهو ينتظر”، “رفضوا استقباله”، “أرسلوه إلى مستشفى آخر”… وكلها عبارات تلخّص مأساة قطاع يموت فيه المواطن على أبوابه.



