
أنفابريس //
في تطور غير مسبوق لصناعة المعادن النفيسة بالمغرب، أعلن فريق من المتخصصين في مجال التعدين عن اكتشاف تاريخي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة في القطاع المعدني الوطني، ويعزز مكانة المملكة كقوة صاعدة في سوق الذهب العالمية. يتعلق الأمر بمنجم ذهب ضخم جرى تحديده في منطقة نواحي كلميم، ويتضمن 34 عرقًا من الكوارتز تحتوي على تراكيز ذهبية استثنائية، بلغت في بعض العينات ما يقارب 300 غرام في الطن، وهي نسبة تُعتبر عالية جدًا على المستوى العالمي.
المنطقة التي عُثر فيها على هذا المنجم تقع ضمن حزام جيولوجي غني بالمعادن، لطالما اعتُبر واعدًا من قبل المتخصصين، لكن لم تُستثمر إمكاناته بالكامل حتى الآن. الاكتشاف الجديد، الذي تم من خلال حملات استكشافية دقيقة، يُعد من أهم الإنجازات في مجال استكشاف المعادن بالمملكة في العقود الأخيرة.
ويؤكد خبراء في المجال أن كثافة التمعدن الذهبي المكتشفة، والتي تفوق المعايير التجارية المعتمدة عالميًا، تمثل تحولًا نوعيًا في خريطة استغلال الثروات المعدنية المغربية، خاصة إذا تبيّن أن هذه العروق تمتد على نطاق أوسع مما تم اكتشافه حتى الآن.
رغم أن المغرب يُعد تقليديًا منتجًا للمعادن، خاصة الفوسفات والفضة والزنك، إلا أن إنتاجه من الذهب ظل محدودًا نسبيًا مقارنة بدول إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا وغانا والسودان. لكن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تضع المملكة في مصاف كبار منتجي الذهب في القارة والعالم، خصوصًا إذا ترافقت الاكتشافات الجيولوجية مع استثمارات صناعية وتنظيمية مناسبة.
ويرى محللون أن الموقع الجغرافي للمغرب، القريب من أوروبا والمزود ببنية تحتية لوجستية قوية نسبيًا، يعطيه أفضلية تنافسية في تصدير الذهب وخلق قيمة مضافة محلية من خلال التكرير والصناعة التحويلية.
يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا واسعة أمام المستثمرين المحليين والدوليين، سواء في مجالات التنقيب أو الاستخراج أو الصناعات المرتبطة بسلسلة القيمة الذهبية. كما أنه ينسجم مع توجه المغرب نحو تنويع موارده الاقتصادية، وتقليص اعتماده على القطاعات التقليدية من خلال تعزيز الصناعات الاستخراجية ذات القيمة العالية.
لكن في المقابل، يبرز التحدي الأكبر: ضمان استغلال شفاف وعادل لهذه الثروات المعدنية، بما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني وسكان المناطق المستغلة، دون تكرار تجارب سابقة شابها الغموض أو الاستئثار.
وتطالب أصوات حقوقية وبيئية بضرورة وضع إطار قانوني صارم يضمن احترام المعايير البيئية، وخلق مناصب شغل قارة، وضمان توزيع عادل للعائدات.
يتوقع أن يسهم هذا المنجم الجديد، في حال تأكيد إمكانياته الإنتاجية، في تعزيز مداخيل الدولة من العملة الصعبة، ودعم ميزان المدفوعات، وتحقيق قفزة نوعية في قطاع المعادن النفيسة.
ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الرهانات الجيوسياسية على الذهب، باعتباره ملاذًا آمنًا في ظل تقلبات الأسواق، وهو ما يضفي على الاكتشاف المغربي بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا.
يمثل هذا الاكتشاف الذهبي في كلميم أكثر من مجرد إنجاز جيولوجي؛ إنه فرصة اقتصادية وتاريخية للمغرب لإعادة رسم موقعه في الخارطة العالمية للمعادن، وتأكيد أن ثرواته الطبيعية لم تُكتشف بعد بالكامل.
لكن تحويل هذه الفرصة إلى قصة نجاح وطنية يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، ومؤسسات رقابية قوية، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
فالذهب لا يصنع الثراء وحده… بل حسن تدبيره هو ما يصنع الفرق.



