
أنفابريس //
في الأحياء الشعبية كما في المدن الكبرى، لم تعد المخدرات الصلبة حكرًا على الطبقات الميسورة. فقد ظهر في السنوات الأخيرة نوع جديد من السموم البيضاء يهدد جيلاً بأكمله، يُعرف باسم “البوفا”، أو ما يطلق عليه البعض “كوكايين الفقراء”. مادة شديدة الخطورة، زهيدة الثمن، لكنها باهظة التكاليف من حيث الأضرار النفسية، الصحية، والاجتماعية.
“البوفا” ليست مادة جديدة تمامًا، بل هي مزيج من بقايا مخدر الكوكايين مع مواد كيميائية خطرة كالأمونيا، والمواد الطيّارة، وأحيانًا يتم خلطها مع أدوية بيطرية أو صناعية. وهي غالبًا ما تُستخرج من الفضلات المتبقية في أنابيب تدخين الكوكايين، ثم تُباع بأسعار زهيدة، ما يجعلها في متناول المراهقين وحتى الأطفال.
يقبل العديد من المراهقين والشباب من الفئات الهشة اجتماعيًا على هذه المادة بسبب سعرها الرخيص وتأثيرها القوي والمؤقت، الذي يمنحهم شعورًا زائفًا بالنشوة والثقة. لكن ما لا يدركونه هو أن البوفا تؤدي بسرعة إلى الإدمان الحاد، وتدمّر الجهاز العصبي، وتسبب اضطرابات عقلية خطيرة، قد تنتهي بالجنون أو الوفاة.
لم يتوقف الأمر عند الإدمان فقط، بل إن “البوفا” أصبحت وقودًا لسلوكيات إجرامية متزايدة. العديد من المدمنين يرتكبون جرائم سرقة واعتداء في سبيل الحصول على ثمن الجرعة التالية. وقد سجّلت الأجهزة الأمنية ارتفاعًا مقلقًا في جرائم العنف المرتبطة بتعاطي هذه المادة خلال السنوات الأخيرة.
أمام هذا الخطر الداهم، لا يمكن للمجتمع أن يقف موقف المتفرج. إن مسؤولية مكافحة “البوفا” لا تقع فقط على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية والصحية، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة والمدرسة وتمر عبر وسائل الإعلام والمجتمع المدني.
على الآباء والأمهات مضاعفة اليقظة، ومراقبة سلوك أبنائهم، وفتح قنوات حوار فعّالة معهم حول مخاطر المخدرات. كما أن التوعية المستمرة داخل المؤسسات التربوية والتثقيفية ضرورة لا غنى عنها.
لمواجهة هذا التحدي،يقترح الخبراء تعزيز برامج الوقاية داخل المدارس والأحياءتوفير فضاءات للشباب لممارسة أنشطة رياضية وثقافية بديلة إطلاق حملات إعلامية قوية تبرز خطورة المادة وآثارها الحقيقية دعم مراكز العلاج وإعادة التأهيل وتسهيل ولوج المدمنين إليها دون وصمة اجتماعية.
“البوفا” ليست مجرد مخدر جديد في الأسواق، بل هي ناقوس خطر يدقّ بشدة في مجتمعاتنا. إنها تمثل فشلًا في منظومات الرقابة والتربية والتوعية. ولا سبيل لمجابهتها إلا بتكاتف الجهود، لأن كل تهاون اليوم، سيُترجم غدًا إلى مأساة جديدة في بيتٍ جديد.



