
الفساد الإداري: أزمة بنيوية تعرقل التنمية وتغذي الإقصاء الاجتماعي
أنفابريس // عبدالرحمان بوعبدلي
لم يعد الحديث عن الفساد الإداري في المغرب مجرد نقاش هامشي، بل أصبح قضية مركزية تمس مختلف مناحي الحياة اليومية للمواطنين، وتنعكس بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فالفساد، في صوره المتعددة، لم يعد فقط انحرافًا فرديًا، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية تؤثر على فرص التنمية وتكافؤ الفرص.
أحد أبرز تجليات هذا الفساد يظهر في سوق الشغل، حيث تتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق لصالح المحسوبية والزبونية. هذا الواقع يساهم بشكل كبير في تفاقم البطالة، خاصة في صفوف الشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام أبواب موصدة رغم مؤهلاتهم العلمية والمهنية. ومع غياب الشفافية في التوظيف، يصبح الأجر الهزيل وضعف الحماية الاجتماعية نتيجة طبيعية لمنظومة مختلة.
هذه الظروف تدفع العديد من الشباب إلى البحث عن بدائل، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر، مثل الهجرة غير الشرعية. فحين يفقد الفرد الأمل في تحقيق الاستقرار داخل بلده، تصبح المغامرة خارج الحدود خيارًا مطروحًا، مهما كانت تكلفته الإنسانية.
ولا تقف تداعيات الفساد عند هذا الحد، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي، حيث يمكن أن يساهم الإحساس بالظلم والإقصاء في ارتفاع معدلات الجريمة. فالشعور بانعدام العدالة وتكافؤ الفرص قد يدفع بعض الأفراد إلى سلوكيات منحرفة، في ظل غياب أفق واضح لمستقبل أفضل.
كما يطرح انتشار المخدرات بين فئة الشباب تساؤلات عميقة حول دور الفساد في تسهيل هذه الظاهرة، سواء عبر التراخي في المراقبة أو التواطؤ في بعض الحالات. وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويهدد طاقات المجتمع ومستقبله.
إن الفساد الإداري، بهذا المعنى، لا يمكن اعتباره مجرد خلل جزئي، بل هو عامل أساسي في إنتاج الأزمات المتعددة التي يعيشها المغرب. والأخطر من ذلك، أن من يسعى إلى محاربته قد يواجه أحيانًا مقاومة أو تضييقًا، ما يضعف جهود الإصلاح ويؤخر تحقيق التغيير المنشود.
في المقابل، تظل محاربة الفساد مسؤولية جماعية تتطلب إرادة سياسية قوية، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام. كما أن إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في كشف الاختلالات يظل عنصرًا حاسمًا في بناء منظومة أكثر نزاهة وعدالة.
إن مستقبل المغرب، في جزء كبير منه، مرتبط بقدرته على مواجهة هذه الظاهرة بشكل حازم، ووضع أسس حكامة جيدة تضمن تكافؤ الفرص، وتحفظ كرامة المواطن، وتفتح آفاق الأمل أمام الأجيال الصاعدة.



