
“ظاهرة الغش في الوسط المدرسي: تشخيص الظاهرة وآفاق المعالجة” عنوان ملتقى دراسي بمركز كرت للدراسات والأبحاث
أنفابريس//متابعة : عبدالرحيم مكرم
في إطار الأنشطة العلمية والتربوية التي نظمها مركز كرت للدراسات والأبحاث بمعية شركائه الأكاديميين والعلميين، والتي ناقش من خلالها مجموعة من الظواهر المدرسية المؤثرة في العملية التعليمية والتربوية، بدءا بظاهرة العنف المدرسي، ثم الهدر المدرسي، وصولا إلى هذا الملتقى الدراسي الذي خصص لمناقشة ظاهرة الغش في الوسط المدرسي، على أن تتواصل هذه السلسلة العلمية مستقبلا بملتقيات تتناول قضايا الإدمان، وعلاقة الأسرة بالتربية، والتنمر… نظم مركز كرت للدراسات والأبحاث، ومجلة كرت للدراسات الشرعية والقانونية والتربوية، بشراكة مع ماستر المنازعات القانونية والقضائية والذكاء الاصطناعي بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، والمركز الدولي للدراسات والأبحاث في العمل الاجتماعي وقضايا المناخ والمجال، الملتقى الدراسي الموسوم بـ: “ظاهرة الغش في الوسط المدرسي: تشخيص الظاهرة وآفاق المعالجة”، وذلك يومي 6 و7 ماي 2026 عن بعد عبر تقنية التناظر المرئي.
لقد جاء تنظيمُ هذا الملتقى في سياقٍ تربوي يتسم بتزايدِ التحدياتِ المرتبطةِ بالمنظومة التربوية والتعليمية، في مقدمتها ظاهرةُ الغِشِ المدرسي بمختلفِ أشكالِها التقليدية والرقمية، وما تثيــرُه من إشكالاتٍ تربوية وعلمية وأخلاقية، واجتماعية وقانونية، تضربُ جوهرَ المنظومةِ التعليمية والتربوية في مقتلٍ، مؤثــرةً في مصداقيةِ التقويمات والامتحاناتِ أصالةً، وفي الشهادات والدبلومات تبعاً، مما يَعْصِفُ بمبدأ الاستحقاقِ وتكافؤِ الفرص داخلَ الوسطِ المدرسي والجامعي…. سعى الملتقى العلميُّ إلى فتحِ نقاشٍ فكريٍّ عميقٍ متعددِ التخصصات حولَ أسبابِ الظاهرةِ وآثارِها وآفاقِ الوقايةِ والــــــمداواةِ، من خلال مقارباتٍ متعددةٍ سوسيولوجيةٍ وتربويةٍ، ونفسية وشرعية، وقانونية ورقمية.
استهلَّ المشاركــــون الملتقى بجلسةٍ افتتاحية ترأسها الأستاذُ عمر العُمري، بدءًا بتلاوةِ آياتٍ من الذكر الحكيم، ثم كلمةُ اللجنةِ التنظيمية في شخصِ الدكتور جواد عجوري، مديرِ فريقِ البحث في الدراسات الشرعية والفكرية، والقانونية والاقتصادية، والتربوية والاجتماعية والنفسية، بمركز كِرت، ومديرِ النشر بمجلة كِرت للدراسات الشرعية والقانونية والتربوية، نيابةً عن الشركاء. مؤكدا في كلمته أن الملتقى الجاري يأتي استجابةً للوعيِ بخطورةِ الغشِ المدرسي، الذي تحول من ممارسةٍ فرديةٍ إلى ظاهرةٍ شائعةٍ، مسَّت المنظومةَ التربويةَ التعليميةَ في جوهــرها، وما آلت إليه من تَبِعاتٍ بدءً من التشكيكِ في مصداقيةِ الشهادات، وانتهاءً إلى تفكيكِ الكفاءات، كما أنّه نبَّه إلى أنَّ الظاهرةَ يمكن معالجتُها من أنحاءٍ عدة، فالمقاربةُ الأحاديّة لا تُؤتي أُكْــــــلَها أمامَ ظاهرةٍ من حجمِ الغشِ المدرسي، وإنما بمجموعِ المقاربات الفكريةِ والعلمية، ذاتِ الأبعادِ المختلفة. وهو السبيلُ الذي سلَكَـــتْهُ اللجنةُ العلميةُ والتنظيميةُ مِن خلالِ جلساتٍ علميةٍ متخصصة.
كما تضمنت الكلمةُ إشادةً بالشركاءِ والمؤسساتِ العلمية الداعمة للملتقى، في طليعتها الدكتور المصطفى قُريْشي، منسقُ ماستر المنازعاتِ القانونية والقضائية والذكاءِ الاصطناعي بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، والدكتور عبد الرحيم عَنْبي، أستاذُ التعليمِ العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيسُ المركز الدولي للدراسات والأبحاث في العمل الاجتماعي وقضايا المناخ والمجال، إلى جانب أعضاءِ اللجنة التنظيمية، والفريقِ التقني المشرفِ على تأمين اللقاءِ الرقمي.
وكشف الدكتور جواد عجوري في كلمته عن المعطياتِ العلمية المرتبطةِ بمرحلة الاستكتاب والتحكيم، حيث توصلت اللجنةُ العلميةُ في المرحلةِ الأولى بثلاثةٍ وثمانين ملخصا بحثيا، خضعت كلُّها لانتقاءٍ أوَّليٍّ، أفرزت العمليةُ ثمانيةَ وعشرين بحثا خاضعاً لتحكيمٍ علميٍّ دقيق، أسْفَر عن ثمانيةِ عشرَ بحثا منتقاةٍ، تأهلت إلى المشاركةِ في الملتقى، مع توصيةٍ بالنشرِ ضِمنَ كتابٍ جماعيٍّ محكَّم. وقد عكست المعطياتُ حجمَ الاهتمامِ الأكاديمي المتزايدِ بموضوع الغش المدرسي، والقيمةَ العلميَّةَ للملتقى من حيث جَودةِ الأبحاثِ وتنوعِ التخصصات.
بعدها انطلقت أشغالُ الجلسةِ العلميّةِ الأولى في محورِ: الغشِ المدرسي: الأبعادُ السوسيولوجية والقِيمية والتحولات الرقمية. تَرأستـــها الدكتورة نجيمة جَدراوي، وكانت أول مداخلةٍ بعنوان: (الغشُ المدرسيُّ في عصرِ الذكاء الاصطناعي: تشخيصُ الظاهرةِ ومقاربةُ الحدِ منها) من إلقاءِ الدكتورِ لحسن غُمادي، تناولَ فيها التحولاتِ الرقميةَ التي شكّلت أنماطا جديدةً من الغشِ المدرسي، مشيرا إلى انعكاساتِ الذكاءِ الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة على آلياتِ المراقبةِ والتقويم.
ثم جاءت المداخلةُ الموالية موسومةً بعنوان: (الغشُ المدرسي كمدخلٍ للغش الجامعي والمهني: مقاربةٌ سوسيولوجية في السياقِ المغربي) من إلقاءِ الباحثة لطيفة الرضواني، كاشفةً عن الامتدادِ الجامعي والمهني لظاهرةِ الغشِ المدرسي، من خلال مقاربةٍ مجتمعيّةٍ، ومدى تأثيرِها على المنظومةِ القِيمية والمهنية في المستقبل. وبالأسلوبِ العلمي ذاتِه عالج الباحثُ موسى أفَرْمَاس الظاهرةَ انطلاقا من دراستِه الموسومةِ (بالغشِ في الامتحاناتِ المدرسية والجامعية بالمغرب: مقاربةٌ سوسيولوجية في ضوء نظريةِ المعيارية) حيث سعى إلى تفسير الظاهرة في ضوءِ التحولات الاجتماعية والقِيمية المعاصرة. ثمَّ تناول الدكتورُ عبد المجيد بابا ابَريك الموضوعَ من خلالِ بحثهِ: (ظاهرةُ الغشِ المدرسي في ضوء القيم ومقاصد الشريعة) كاشفا عن البعدِ الأخلاقيِّ والقِيمي للظاهرة من منظورٍ مقاصدي وتربوي. ثمّ جاءت مداخلةٌ تحت عنوان: (تحولاتُ الغشِ المدرسي من الممارسات التقليدية إلى الوسائطِ الرقمية من خلال دراسةٍ سوسيولوجيةٍ بثانوية ابنِ الهَـــيثم) للدكتور العربي عَــكْـــــــروش، أبانَ فيــــها عن تحولاتِ الظاهرةِ من النمطِ الكلاسيكي إلى التقنيات الرقمية الحديثة، من خلالِ دراسةٍ ميدانية بثانوية ابنِ الهَيثم. هذا وقد توالت مداخلةُ الدكتورِ محمد سَكَنْـــدي الموسومةُ بعنوان: (الغشُ المدرسيّ من وجهةِ نظرِ الأساتذة المتدربيـــن بالمركز الجهـــــوي لمهنِ التربية والتكوينِ جهة بني ملال خنيفرة) نظرَ إلى ظاهرةِ الغشِ بعيون الأساتذة المتدربيــن. ثمّ تأتي مداخلةٌ تحت عنوان: (ظاهرةُ الغشِ في الامتحانات المدرسية بالمغرب: الأسبابُ وحدودُ المقاربةِ القانونيةِ في معالجتها) للدكتور جمال أمقران، عالج الموضوعَ من بعده القانوني، موضحا أسباب الظاهرة .
وفي الجلسةِ العلمية الثانية من اليومِ نفسِه تطرق الباحثون إلى محور: (التقويم التربوي وآليات الحد من الغش المدرسي) من تسييــر الأستاذِ هشام زيـــــــزان، استُــهِلت الجلسةُ بمداخلةِ الدكتور عبد الكريم العِساتي تحت عنوان: (الغشُ المدرسي وإشكالية التقويم: مقاربة نفسية تربوية في ضوء تصنيف بْلُــــــوم) أبان فيــها عن إشكاليةِ التقويم وعلاقته بالغش المدرسي. وقدَّم الدكتور سعيد احْمَامَـــــــض دراسةً بعنوان: (الغشُ في الامتحانات وأثرُه على مقصِدِ حفظِ العقل: مقاربةٌ مقاصدية تربوية) ثم مداخلةُ الدكتور الحسين أوبَــــــــــاري في موضوعِ : (ظاهرةُ الغشِ في الامتحانات المدرسية بين الرَّدْعِ القانوني والوقايةِ التربوية: دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا من منظور الحياة المدرسي.) كما ناقش الدكتورُ مراد الزكــــــــــراوي الظاهرةَ من زاويةٍ موسومةٍ: (بالـــموثـــوقيةِ الــدُوسِيــــــمـــــولــــــــوجية في اختبارات التاريخ بالثانوي في عصر الذكاء الاصطناعي) ومداخلةُ الباحثِ العوني عز الديــن بعنوان: (التقويمُ المستمر وأثرُه في تقليص دوافعِ الغش في الوسط المدرسي المغربي.) ثمّ مداخلةُ في (الغش الرقمي في الامتحانات الجهوية والوطنية) للباحث الميلود معـــــروفي، مُستكملا الموضوعَ من الناحية التقويمية. وتأتي مداخلةُ الباحث أقرو حفيظ موسومةً بعنوان: (التربيةُ الإعلامية والرقمية باعتبارها آليةً وقائيةً من الغشِ في الوسطِ المدرسي.) كما قدم الأستاذُ رشيد الــــمصلوحي نتائجَ دراسةٍ ميدانيةٍ أعدَّها بمَعِــــــيةِ الدكتور جواد عجوري، والدكتور الحسن شهبار، حَوْلَ علاقةِ قصور التمكن المعرفي بالغش المدرسي في ضوء متغيرات التقويم والضغطِ النفسي. وتأتي آخِرُ مداخلةٍ بعنوان: (الامتحان الوطني والتحصيل الدراسي من خلال دراسة سوسيو ـــــــــــ وثائقيّةٍ لـمسارِ تلاميذِ الثانوي التأهيلي بالحسيمة للدكتور محمد الفزازي.
هذا وإن الجلستيــــن تميـزتا بطابعٍ علميّ أغنى المشاركيــن والحضورَ، وقــد أعقبَ كلَّ جلسةٍ نقاشٌ وتفاعلٌ كبيـــريـــن. تنوعت طبيعةُ الأسئلةِ من قِبَلِ المتابعيــن، أجاب عنها الباحثون المحاضرون ولجنةُ الخبــــراءِ، مما أضفى على الملتقى بُعدا تفاعليا وحواريا، أسهم في تعميق النقاش وتبادلِ الوُجهاتِ العلمية حول الظاهرة.
وخُصِّص اليوم الموالي لجلسةِ الخبـــراءِ التي ترأسها الأستاذ الدكتور جواد عجوري، شارك فيها نخبةٌ من الخبراء والمتخصصين مُــــمَثِليـــن حقولا معرفيةً متعددة، ويتعلق الأمرُ بالسادة الأفاضل: الدكتورُ عبد الرحيم عَنبي، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، والدكتور علي مزيان، أستاذ التعليم العالي، المدرسة العليا للتربية والتكوين بوجدة، والدكتور المصطفى قريشي أستاذ التعليم العالي الكلية المتعددة التخصصات بالناظور، والأستاذ الصديق بَنْمْشِـــــــيش، والأستاذ أحمد العبودي، مُفَتِـــــشَـــــــيـْــن تربوِيَـــــــيـْــن بقطاعِ التعليم الثانوي التأهيلي.
وقد ناقش الخبــــراءُ نتائجَ الأبحاثِ المقدمة للنشر ضمنَ كتابٍ جماعيٍّ محَكَّمٍ، من زوايا شرعية وقانونية، وتربوية واجتماعية ونفسية، مؤكدين أن الغِشَ المدرسي أصبح ظاهرةً معقدةـ تقتضي حلولا ومعالجةً شاملةً، تتجاوز المقاربة الزَّجرية. كما كشفوا عن الجانب السِلبي للتطورات الرقمية التي شهِدها العالمُ اليوم، وكيف أنــها وُظفت في الغشِ المدرسي، خصوصا مع انتشارِ الهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما ترتب عنه من تعقيدٍ في آلياتِ الكشف والضبط، مع الدعوةِ إلى النهـــوضِ بالتقويم وتجاوز أنماطَــه التقليدية، مع إعادةِ الاعتبار للتربية على القيم.
وقد خَلُصَت الأبحاثُ والمناقشاتُ العلمية، إلى أن هذه الظاهرة لم تعد سلوكا فرديا معزولا أو حالات استثنائية مرتبطة ببعض المتعلمين، بل أضحت ظاهرةً مجتمعيةً معقدة ذات أبعاد تربوية وقيمية ونفسية وتقنية متداخلة، تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية لتأخذ طابعا عالميا متناميا. كما أبرزت الدراسات أن الغش المدرسي عرف تحولات عميقة انتقلت به من الأساليب التقليدية البسيطة إلى أشكال رقمية حديثة أكثر تنظيما وتعقيدا، مستفيدة من التطور التكنولوجي والانتشار الواسع للوسائل الرقمية الحديثة، الأمر الذي جعل الظاهرة أكثر خطورة وتأثيرا على المنظومة التربوية. وقد نبهت المداخلات العلمية إلى أن استفحال الغش أصبح يهدد مصداقية الشهادات التعليمية، ويقوض مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، بما ينعكس سلبا على جودة التعليم وثقة المجتمع في المدرسة ومخرجاتها.
وفيما يتعلق بالأسباب والعوامل المفسرة للظاهرة، أكدت نتائج الأبحاث أن الغش المدرسي هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل متعددة ومتشابكة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والتربوية والقيمية. فقد أظهرت الدراسات أن ضعف الدافعية نحو التعلم، وهيمنة منطق النجاح السريع والحصول على النتائج بأقل جهد ممكن، يشكلان مناخا مشجعا على انتشار الغش، خاصة في ظل تنامي مظاهر تطبيع هذا السلوك وتبريره داخل بعض الأوساط الاجتماعية والتربوية. كما تبين وجود علاقة وثيقة بين ضعف التعلمات الأساسية وصعوبات الفهم والتحصيل وبين ارتفاع نسب الغش، وهو ما يعكس اختلالات مرتبطة بجودة التعلمات وأساليب التقويم المعتمدة. وفي السياق ذاته، أبرزت البحوث أن بعض أنماط التقويم التقليدي القائم على الحفظ والاستظهار تسهم بشكل مباشر في تعزيز سلوك الغش، في حين تؤدي عوامل أخرى، من قبيل الاكتظاظ وضعف المواكبة النفسية والتربوية وغياب الدعم المدرسي الكافي، إلى تفاقم الظاهرة واتساع نطاقها. كما شددت المداخلات على أن الغش يرتبط في عمقه بأزمة قيم تمس مفهوم النزاهة والمسؤولية والاستحقاق داخل المجتمع.
أما على مستوى الآثار والتداعيات، فقد بينت نتائج الملتقى أن الغش المدرسي لا يقتصر تأثيره على المجال الدراسي فحسب، بل يمتد إلى البنية القيمية والاجتماعية للمجتمع. إذ يؤدي إلى تكريس الاتكالية وإضعاف روح الاجتهاد والمنافسة الشريفة، كما يسهم في إعادة إنتاج اللامساواة ويفقد الشهادات التعليمية قيمتها الاعتبارية. وأكدت الدراسات أن التساهل مع الغش ينعكس سلبا على صورة المتعلم المجتهد، الذي يجد نفسه في وضعية غير عادلة مقارنة بمن يلجؤون إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق النجاح. كما أن استمرار الظاهرة يؤثر بشكل مباشر على سوق الشغل ومؤسسات الدولة، من خلال تخريج كفاءات تفتقر إلى التأهيل الحقيقي والكفايات المطلوبة، الأمر الذي يهدد جودة الرأسمال البشري ويضعف الثقة في منظومة التكوين والتأهيل.
وفيما يرتبط بالتقويم والمنظومة التربوية، خلصت المناقشات إلى أن المقاربة الزجرية وحدها، رغم أهميتها، تظل غير كافية للحد من الظاهرة، ما لم تواكبها إصلاحات تربوية وبيداغوجية عميقة. وقد أكدت الأبحاث أن التقويم المبني على الفهم والتحليل والإنتاج الشخصي، بدل الاقتصار على الاستظهار واسترجاع المعلومات، يعد أكثر فعالية في الحد من الغش وتنمية التعلم الحقيقي. كما شددت المداخلات على أهمية إعادة النظر في فلسفة الامتحانات وأساليب التقويم بما ينسجم مع متطلبات المدرسة الحديثة والتحولات الرقمية المتسارعة.
وفي الجانب القيمي والأخلاقي، أبرزت نتائج الملتقى أن ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق والمسؤولية يشكل المدخل الوقائي الأهم لمواجهة الغش المدرسي. وقد أكدت الدراسات أن غرس قيم الاعتماد على النفس والاجتهاد والصدق يسهم في بناء مناعة ذاتية لدى المتعلمين ضد مختلف أشكال الغش، كما أن استحضار البعد الأخلاقي والديني في العملية التربوية يساعد على تكوين وعي مجتمعي رافض لهذا السلوك، باعتباره منافيا لقيم التربية والمواطنة السليمة.
وانطلاقا من هذه الخلاصات، أوصى المشاركون بضرورة اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد لمعالجة ظاهرة الغش المدرسي، تقوم على التكامل بين الإصلاح التربوي والتأطير القانوني والتنشئة القيمية والمواكبة النفسية والاجتماعية. كما دعوا إلى إعادة النظر في فلسفة التقويم والامتحانات، والانتقال من ثقافة قياس الحفظ إلى تقويم الكفايات والفهم والتحليل والإبداع، مع تطوير أنظمة التقويم بما يواكب التحولات الرقمية الحديثة. وأكدت التوصيات كذلك أهمية إدماج التربية الإعلامية والرقمية وأخلاقيات استعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية، إلى جانب مراجعة البرامج التعليمية بشكل دوري لتتلاءم مع متطلبات التعلم المعاصر.
وفي الجانب التربوي والبيداغوجي، شددت التوصيات على ضرورة تعزيز التمكن المعرفي والتعلمات الأساسية لدى المتعلمين قبل الانتقال بين المستويات الدراسية، واعتماد بيداغوجيات نشطة تنمي التفكير النقدي والاستقلالية والإبداع، مع تقوية برامج الدعم التربوي والمعالجة البيداغوجية لفائدة المتعثرين دراسيا. كما أوصى المشاركون بتقليص مركزية الامتحانات الإشهادية في تحديد المسار الدراسي للمتعلمين، وتطوير آليات التقويم الرقمي المؤمن والقادر على مواكبة التحولات التكنولوجية الحديثة.
وعلى المستوى القيمي والنفسي والاجتماعي، دعا الملتقى إلى ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق والاعتماد على النفس، وتعزيز التربية الأخلاقية داخل المدرسة وخارجها، مع تفعيل الأندية التربوية والأنشطة الموازية المرتبطة بالمواطنة والقيم. كما أكد المشاركون أهمية توفير المواكبة النفسية للمتعلمين، والتخفيف من الضغوط الأسرية والاجتماعية المرتبطة بالنتائج الدراسية، وتعزيز دور الأسرة ووسائل الإعلام في نشر ثقافة الاجتهاد والنجاح المشروع.
أما في الجانب التنظيمي والقانوني والتقني، فقد أوصى المشاركون بتطوير المقاربة القانونية والزجرية بما يضمن الفعالية والإنصاف، مع توحيد وتأطير المساطر القانونية المرتبطة بزجر الغش داخل المؤسسات التعليمية، وتحسين ظروف إجراء الامتحانات وتوفير شروط النزاهة والشفافية. كما شددت التوصيات على ضرورة منع استعمال الوسائل الإلكترونية داخل مراكز الامتحانات وفق ضوابط تنظيمية واضحة، وتجهيز هذه المراكز بوسائل تقنية حديثة لرصد حالات الغش الرقمي، إلى جانب تكثيف الجهود لمحاربة شبكات الغش الإلكتروني والمجموعات الرقمية المنظمة لتسريب الامتحانات وتداول وسائل الغش.
واختتمت أشغال الملتقى بجلسة ختامية ترأسها الدكتور سليمان قراري، خصصت لقراءة النتائج والتوصيات العامة للملتقى، والتنويه بالمساهمات العلمية للباحثين والخبراء والمشاركين، قبل أن يختتم اللقاء بالدعاء الصالح، سائلين الله تعالى أن يحفظ أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأن يمده بالنصر والتمكين، وأن يمن عليه بموفور الصحة والعافية والشفاء العاجل، وأن يوفق الجميع لما فيه خير المدرسة والمجتمع والوطن.
د. سليمان قراري
د. جواد عجوري




