
حين تتحول المواسم الدينية إلى منصات انتخابية
أنفابريس //
قراءة في توظيف الرمزية الدينية والعاطفية خلال الحملات السابقة لأوانها بإقليم الصويرة
في كل محطة انتخابية، تعود إلى الواجهة مجموعة من المظاهر والسلوكات التي تكشف حجم التحول الذي أصاب العمل السياسي، حيث لم يعد التنافس قائماً فقط على البرامج والرؤى والتصورات التنموية، بل أصبح في كثير من الأحيان قائماً على صناعة الصورة واستثمار العاطفة الجماعية، خصوصاً داخل المناطق القروية التي ما تزال تحافظ على طبيعتها الاجتماعية البسيطة وثقتها الكبيرة في الرموز الدينية والتقاليد المحلية.
ومن بين أبرز الأساليب التي تتكرر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، الحضور المكثف لبعض المنتخبين والفاعلين السياسيين داخل المواسم الدينية والزوايا والأنشطة ذات الطابع الروحي، في مشهد يثير الكثير من الأسئلة حول الحدود الفاصلة بين التدين الحقيقي والاستثمار السياسي في المقدس.
لقد تحولت بعض المواسم، التي كانت عبر التاريخ فضاءات للذكر والتواصل الروحي والتلاحم الاجتماعي، إلى ساحات غير معلنة للتسويق الانتخابي المبكر، حيث يظهر بعض السياسيين الذين غابوا طويلاً عن هموم المواطنين ومشاكلهم اليومية، فجأة وسط الجموع، بلباس تقليدي وهيئة توحي بالتقوى والقرب من الناس، في محاولة لصناعة صورة “الرجل الصالح” القريب من الثقافة المحلية والوجدان الشعبي.
ويبرز هذا المشهد بشكل واضح داخل عدد من أقاليم المغرب، وعلى رأسها إقليم الصويرة، الذي يعرف حضوراً قوياً للمواسم والزوايا ذات الامتداد التاريخي والروحي، وعلى وجه الخصوص موسم ركراكة، الذي يعتبر من أهم المواسم الدينية والاجتماعية بالمنطقة.
فخلال النسخ الأخيرة من الموسم، لوحظ حضور مكثف لعدد من البرلمانيين والمنتخبين الذين اختفوا لسنوات عن الساحة المحلية، قبل أن يعودوا بشكل مفاجئ مع اقتراب العد العكسي للانتخابات التشريعية المقبلة. حضور لم يكن عادياً أو عفوياً، بل رافقته مظاهر مدروسة بعناية؛ جلابيب تقليدية، طرابيش حمراء، صلاة في الصفوف الأمامية، مصافحة الناس، التقاط الصور وسط العامة، والمشاركة في الطقوس الجماعية بشكل يوحي بالاندماج الكامل مع البعد الروحي للموسم.
غير أن هذا الحضور يطرح إشكالاً عميقاً يتعلق بتداخل الدين والسياسة، ليس من باب النقاش الفكري أو المرجعية الأخلاقية، بل من زاوية توظيف المقدس كوسيلة لاستمالة الناخبين والتأثير على وعيهم العاطفي والديني. فحين يصبح التدين أداة انتخابية، تتحول القيم الروحية إلى وسيلة للدعاية المقنعة، ويتحول المواطن البسيط إلى هدف لحملات ناعمة تقوم على التأثير النفسي أكثر من النقاش السياسي الحقيقي.
إن أخطر ما في هذا النوع من الممارسات ليس فقط استغلال الدين، بل كذلك استغلال هشاشة العالم القروي وصدق ساكنته، حيث ما تزال فئات واسعة من المواطنين تنظر إلى اللباس التقليدي والرمزية الدينية باعتبارهما دليلاً على الصلاح والاستقامة، في وقت أصبحت فيه بعض الجهات تتقن هندسة الصورة أكثر من ممارسة السياسة بمفهومها النبيل.
وفي مقابل هذا المشهد، يظل السؤال مطروحاً حول دور الوعي المجتمعي والإعلام المحلي والنخب الفكرية في كشف هذه الأساليب، والدفع نحو ثقافة سياسية جديدة تقوم على المحاسبة والبرامج والإنجازات، لا على صناعة المشاهد الموسمية والظهور المناسباتي.
فالسياسة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور داخل المواسم، ولا بموقع المسؤول في الصف الأول أثناء الصلاة، بل تُقاس بحجم حضوره اليومي إلى جانب المواطنين، وقدرته على الدفاع عن قضاياهم وتحقيق مطالبهم بعيداً عن منطق الاستعراض الانتخابي.
لقد أصبح من الضروري اليوم إعادة النقاش حول أخلاقيات الممارسة السياسية، وحول حدود استغلال الفضاءات الدينية والروحية في الحملات غير المعلنة، حمايةً لقدسية الدين أولاً، وصوناً لوعي المواطنين من كل أشكال التوظيف العاطفي والسياسي.



