
أنفابريس // فؤاد خويا
تتفاقم معاناة آلاف الموظفين والطلبة والمهنيين مع خدمات المكتب الوطني للسكك الحديدية،في كل مناسبة وطنية أو دينية بعدما أصبح تأخر القطارات مشهدًا يوميًا يتكرر بشكل يثير استياء المسافرين، خاصة على المحور الحيوي الرابط بين القنيطرة والدار البيضاء، الذي يُعد من أكثر الخطوط استعمالًا بالمملكة.
فبعدما كان التأخير يُقاس بدقائق معدودة، بات المسافرون اليوم يتلقون إعلانات متكررة عن تأخيرات تصل إلى أربعين دقيقة أو ساعة كاملة،دون مراعاة لظروف مئات الآلاف من المواطنين الذين يعتمدون على القطار كوسيلة نقل يومية للوصول إلى مقرات عملهم.
ومن بين هؤلاء أطباء وممرضون ومحامون ورجال قضاء وموظفون بالإدارات العمومية، ينتظرهم مواطنون لقضاء مصالحهم اليومية، غير أن التأخيرات المتكررة تجعل الكثير منهم يصلون متأخرين عن دوامهم، في مشهد يتكرر على مدار الأيام والشهور، ويؤثر بشكل مباشر على السير العادي للمرافق والخدمات.
وتزداد حدة الأزمة خلال المناسبات الدينية وفترات الأعياد، حيث تتحول المحطات إلى فضاءات مكتظة تعمها الفوضى والارتباك، وسط ضغط كبير على حركة القطارات وضعف واضح في القدرة التنظيمية والاستيعابية، في وقت تستعد فيه المملكة لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى تتطلب بنية نقل حديثة وفعالة.
ورغم أن القطار يظل بالنسبة لكثير من المواطنين وسيلة نقل آمنة ومفضلة، هربًا من فوضى النقل السري، وعشوائية الطرقات، وعدم انضباط بعض وسائل النقل الأخرى، إلا أن آمال مستعملي السكك الحديدية تصطدم يوميًا بواقع مرير على أرصفة المحطات، عنوانه الأبرز: “تأخر القطار… وأجساد منهكة وعيون مترقبة للوصول”.
وتبدأ فصول المعاناة منذ اللحظة التي تعلن فيها لوحات التشوير الإلكترونية عن تأخر الرحلات، لتتوالى بعدها الإعلانات عن قطارات متأخرة وأخرى قادمة، فيدخل المسافرون في دوامة من الترقب والقلق والتوتر.
ويتحول مشهد المحطة إلى فضاء مكتظ يطغى عليه الإرهاق والانتظار، حيث يفترش بعض المسافرين الأرض بعد ساعات طويلة من التعب، بينما يحاول الآباء والأمهات تهدئة أطفالهم وسط أجواء خانقة غالبًا ما تتسم بالاكتظاظ وضعف التهوية، ما يزيد من حدة التوتر والمشاحنات بين المسافرين.
ولا يقتصر أثر تأخر القطارات على ضياع الوقت فقط، بل يمتد إلى استنزاف الأعصاب وتراجع الطاقة الإنتاجية، وتحويل رحلة التنقل اليومية إلى عبء نفسي وجسدي يثقل كاهل مستعملي القطار.
وتبلغ الأزمة ذروتها خلال ما يُعرف بفترة “العواشر” التي تسبق الأعياد،حيث تعرف المحطات ضغطًا غير مسبوق، وتتعالى الإعلانات عن قطارات متأخرة وأخرى إضافية، في مشهد يفسد فرحة السفر واللقاء العائلي على كثير من المواطنين، كما يضع موظفي السكك الحديدية أنفسهم تحت ضغط مهني متواصل.
وأمام هذا الوضع، تتجه أصابع الاتهام نحو المكتب الوطني للسكك الحديدية باعتباره المسؤول الأول عن تدبير حركة القطارات واحترام المواقيت وضمان جودة الخدمات وأمن المسافرين. فرغم الإعلانات المتكررة عن اعتماد “مخططات استثنائية” وتكثيف الرحلات خلال المناسبات، إلا أن الواقع يكشف، بحسب عدد من المسافرين، عن فجوة واضحة بين الخطط المعلنة والقدرة الفعلية للشبكة على استيعاب الضغط المتزايد.
ويبقى القطار، رغم كل الإكراهات، وسيلة نقل أساسية وآمنة بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، غير أن تطوير هذا القطاع أصبح ضرورة ملحة، عبر تعزيز القدرات اللوجستيكية والتنظيمية، وتحسين جودة الخدمات، وتوفير شروط تنقل تحفظ كرامة المسافر، خاصة مع الاستحقاقات الوطنية والدولية المقبلة التي تفرض تحديث منظومة النقل العمومي بشكل شامل وفعّال.



