
بطاقة الإعاقة… حين تُختزل الكرامة في وثيقة إدارية
أنفابريس //
ليست مأساة الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب في غياب بطاقة، بل في غياب سياسة عمومية تجعل هذه البطاقة مجرد وسيلة، لا بوابة إلزامية للحقوق. فمن غير المقبول أن يتحول الحق في الكرامة إلى مسطرة إدارية، وأن يصبح الوصول إلى خدمات أساسية رهين وثيقة، بينما ينص الدستور على أن الكرامة والمساواة وعدم التمييز حقوق أصيلة لكل مواطن.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: أين وصلت بطاقة الإعاقة؟ بل: أين وصل حق الأشخاص في وضعية إعاقة في التعليم، والصحة، والشغل، والتنقل، والولوج إلى المرافق العمومية، والحماية الاجتماعية؟ لأن قيمة أي إصلاح لا تُقاس بعدد البطاقات التي تُوزع، وإنما بعدد الحقوق التي تُصان، وبعدد العراقيل التي تُزال من طريق المواطن.
لقد اختار المغرب، بإرادته السيادية، أن يُدرج حماية الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن مبادئه الدستورية، كما التزم دوليًا بتعزيز حقوقهم وضمان إدماجهم الكامل في المجتمع. وهذه الالتزامات ليست مجرد إعلان للنوايا، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تستوجب سياسات عمومية فعالة، وميزانيات كافية، وآليات واضحة للتنفيذ والتقييم.
لكن الواقع ما زال يفرض أسئلة مؤلمة. كم من طفل في وضعية إعاقة حرم من تعليم ؟ وكم من شاب فقد فرصة عمل بسبب غياب الترتيبات التيسيرية؟ وكم من مواطن لا يزال عاجزًا عن الولوج إلى إدارة أو مستشفى أو وسيلة نقل بسبب غياب الولوجيات؟ هذه ليست حالات فردية، بل مؤشرات على أن الطريق نحو الإدماج الكامل لا يزال طويلًا.
ومن حق المواطنين أن يطالبوا بالشفافية في تدبير الأموال العمومية والبرامج المخصصة للإعاقة، وبالتقييم الدوري لنتائجها، وبضمان أن يصل الدعم إلى مستحقيه وأن ينعكس على تحسين جودة حياتهم. كما أن المجتمع المدني، بما فيه الجمعيات الجادة التي تقدم خدمات حقيقية، يحتاج إلى بيئة قائمة على الحكامة والمساءلة، حتى يظل العمل الجمعوي شريكًا في التنمية لا محلًا للتشكيك أو الجدل.
إن الأشخاص في وضعية إعاقة لا يطلبون صدقة، ولا امتيازًا، ولا معاملة استثنائية. إنهم يطالبون فقط بأن تكون المواطنة كاملة، وأن تتحول النصوص الدستورية إلى واقع، وأن يصبح الإدماج ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق تدبير ملف الإعاقة إلى منطق بناء سياسة وطنية قائمة على الحقوق. فالأمم لا تُقاس بطريقة تعاملها مع الأقوياء، بل بقدرتها على صون كرامة الفئات الأكثر هشاشة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن صانع القرار: هل نريد بطاقة تُثبت أن الشخص في وضعية إعاقة موجود، أم نريد وطنًا يجعله يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق؟
فالكرامة لا تُختزل في بطاقة، والعدالة لا تُقاس بالوعود، والدولة الحديثة تُعرف بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها، لا بمجرد الاعتراف بها على الورق.



