انفا بريس

المحكمة الدستورية: بين مسار التأسيس… و امتحان حماية الحقوق والحريات…

أنفابريس/ مراكش

يشكل القضاء الدستوري حجر الزاوية في بناء دولة الحق والقانون، باعتباره الضامن لسمو الدستور، والحامي للحقوق والحريات، والحكم بين السلطات عند تجاوز حدود الاختصاص. وإذا كانت التجربة المغربية قد عرفت تطورًا تدريجيًا في هذا المجال، فإن دستور 2011 شكل نقطة تحول حقيقية بإحداث المحكمة الدستورية، التي أصبحت تمثل أعلى هيئة للسهر على احترام الدستور. غير أن قيمة هذه المؤسسة لا تقاس فقط بالنصوص التي أحدثتها، وإنما بقدرتها على إنتاج اجتهاد دستوري يواكب التحولات السياسية والقانونية، ويكرس حماية الحقوق والحريات في مواجهة مختلف التشريعات.

المحور الأول: تطور القضاء الدستوري بالمغرب… من الغرفة الدستورية إلى المحكمة الدستورية

عرف المغرب أول تجربة للرقابة على دستورية القوانين مع دستور 1962، الذي أحدث الغرفة الدستورية داخل المجلس الأعلى، غير أن هذه الرقابة ظلت محدودة، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث استقلالها المؤسساتي.

ومع المراجعة الدستورية لسنة 1992، تم إحداث المجلس الدستوري كمؤسسة مستقلة، وهو ما شكل خطوة مهمة نحو ترسيخ الرقابة الدستورية، قبل أن يعزز دستور 1996 اختصاصاته، غير أن الولوج إلى القضاء الدستوري ظل حكرًا على عدد محدود من السلطات الدستورية، الأمر الذي قلص من فعاليته في حماية الحقوق والحريات.

وجاء دستور 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة بإحداث المحكمة الدستورية بمقتضى الفصول من 129 إلى 134، باعتبارها مؤسسة دستورية مستقلة تحل محل المجلس الدستوري، وهو ما تم تنزيله من خلال القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية.

وقد منح الدستور المحكمة اختصاصات واسعة، من أبرزها مراقبة دستورية القوانين التنظيمية، والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان، والمعاهدات الدولية، والبت في المنازعات الانتخابية، بالإضافة إلى الاختصاص النوعي الجديد المتمثل في الدفع بعدم دستورية القوانين المنصوص عليه في الفصل 133 من الدستور، والذي يعد أحد أهم مستجدات دستور 2011، لأنه نقل المواطن من مجرد مخاطب بالقانون إلى مساهم في حماية الدستور من خلال إثارة عدم دستورية النصوص التي تمس بحقوقه وحرياته.

وبذلك، انتقل القضاء الدستوري المغربي من مرحلة الرقابة الشكلية المحدودة إلى مرحلة أكثر نضجًا، أصبحت فيها المحكمة الدستورية أحد الأعمدة الأساسية لدولة القانون.

المحور الثاني: المحكمة الدستورية بين رهان الاجتهاد وأول الامتحانات الدستورية الكبرى

إذا كان إحداث المحكمة الدستورية يمثل مكسبًا مؤسساتيًا، فإن نجاحها الحقيقي يبقى رهينًا بمدى قدرتها على بناء اجتهاد قضائي دستوري يحمي الحقوق والحريات، ويوازن بين احترام الإرادة التشريعية للبرلمان وضمان سمو الدستور.

وقد أصدرت المحكمة منذ تنصيبها سنة 2017 مجموعة من القرارات المهمة المتعلقة بالقوانين التنظيمية، والأنظمة الداخلية للبرلمان، والانتخابات، واستقلال السلطة القضائية، مما أسهم في ترسيخ عدد من المبادئ الدستورية، غير أن التجربة ما تزال في طور التراكم، بالنظر إلى حداثتها مقارنة بالمحاكم الدستورية العريقة.

ويبدو أن المحكمة الدستورية تقف اليوم أمام أحد أهم امتحاناتها منذ إحداثها، وذلك بمناسبة إحالة القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة عليها للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وفقًا للفصل 132 من الدستور. وتكتسي هذه الإحالة أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب ما أثاره المشروع من نقاش قانوني ومجتمعي واسع، ولكن أيضًا لأن مهنة المحاماة ليست مهنة عادية، بل هي شريك أساسي في تحقيق العدالة، وضمانة دستورية لممارسة حق الدفاع والمحاكمة العادلة.

ومن هذا المنطلق، فإن القرار الذي ستصدره المحكمة لن يكون مجرد موقف من بعض المقتضيات القانونية، بل سيشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرتها على حماية المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها استقلال مهنة المحاماة، والحق في الدفاع، والمساواة في الولوج إلى المهن، والأمن القانوني، وربط التشريع بروح الدستور وليس بحرفيته فقط.

كما أن هذا القرار سيكون مناسبة لتأكيد أن الرقابة الدستورية ليست رقابة تقنية محضة، وإنما هي رقابة قيمية تستحضر الفلسفة العامة للدستور، وتوازن بين متطلبات تنظيم المهنة وضمان استقلالها، باعتبارها أحد مكونات أسرة العدالة، وفق ما يقتضيه الفصل الأول من الدستور ومبادئ استقلال السلطة القضائية المنصوص عليها في الفصول 107 وما يليها، وضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الفصل 120.

ومن ثم، فإن قانون مهنة المحاماة يمثل اليوم معيارًا حقيقيًا لقياس نضج المحكمة الدستورية المغربية، وقدرتها على ممارسة رقابة دستورية فعالة ومستقلة، قوامها حماية الحقوق والحريات، وليس مجرد مراقبة الشكل والإجراءات.

و الخلاصة ان المغرب انتقل، خلال أكثر من ستة عقود، من الغرفة الدستورية إلى المجلس الدستوري، ثم إلى المحكمة الدستورية، في مسار يعكس تطورًا تدريجيًا في بناء دولة الدستور. غير أن هذا المسار لا يكتمل بمجرد وجود مؤسسة دستورية، وإنما بقدرتها على إنتاج اجتهاد قضائي يرسخ سمو الدستور، ويحمي الحقوق والحريات، ويضمن خضوع جميع السلطات لأحكامه.

ولعل القرار المرتقب بشأن قانون مهنة المحاماة سيكون محطة مفصلية في هذا المسار، لأنه سيكشف إلى أي حد أصبحت المحكمة الدستورية تمارس دورها كحارس فعلي للدستور، لا كجهة للرقابة الشكلية فحسب، وسيؤسس لاجتهاد دستوري ستكون له آثار عميقة على التشريع المغربي وعلى مستقبل العدالة الدستورية بالمملكة

# عزالدين الخو المختار
# باحث في العلوم القانونية…
# مختبر الابحاث و الدراسات القانونية و الجنائية
# كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية
# جامعة القاضي عياض مراكش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى