
سبتة تكشف المستور: السياسة والاقتصاد في مواجهة الواقع.
أنفابريس //
ليست أحداث سبتة مجرد واقعة هجرة جماعية يمكن اختزالها في بعدها الإنساني، كما أنها ليست مجرد محطة في مسار التجاذبات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. إنها، في جوهرها، لحظة كشفت حجم التشابك بين الداخل والخارج، وبين الواقع الاجتماعي وحسابات السياسة، لتؤكد أن الأزمات الكبرى لا تنشأ من سبب واحد، بل من تراكم عوامل متداخلة.
لا يخفى على أحد أن المغرب يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، تتمثل في البطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية، واستمرار المطالب بتعزيز الحكامة ومحاربة الفساد وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي تحديات تلقي بظلالها على فئات واسعة من الشباب، الذين يرى بعضهم في الهجرة سبيلًا للبحث عن فرص حياة أفضل، مهما كانت المخاطر.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن ملف الهجرة تجاوز منذ سنوات كونه قضية اجتماعية، ليصبح أحد أهم أوراق التوازنات الإقليمية. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، يشكل شريكًا رئيسيًا في إدارة الحدود الجنوبية لأوروبا، وهو ما يجعل أي تطور في هذا الملف يحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدوده الوطنية.
لقد استطاعت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة تحقيق مكاسب مهمة في عدد من الملفات الاستراتيجية، غير أن قوة السياسة الخارجية تبقى مرتبطة بصلابة الجبهة الداخلية. فالتنمية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الثقة في المؤسسات، ليست قضايا داخلية فحسب، بل هي أيضًا عناصر أساسية في بناء قوة الدولة وتعزيز مصداقيتها على الساحة الدولية.
إن قراءة أحداث سبتة من زاوية اجتماعية فقط تُغفل جانبًا مهمًا من الصورة، كما أن حصرها في بعدها السياسي يتجاهل واقعًا يعيشه آلاف المواطنين. فالحقيقة تكمن في نقطة التقاء البعدين معًا؛ حيث تتقاطع معاناة الإنسان مع رهانات الدولة، وتتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.
إن مستقبل المغرب لا يُبنى فقط بالنجاحات الدبلوماسية، ولا بالخطابات السياسية وحدها، بل بإرساء نموذج تنموي يجعل المواطن شريكًا في التنمية، ويمنحه الثقة بأن الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص ليست شعارات، بل واقعًا ملموسًا. فالدول القوية تبدأ من الداخل، وحين تستقيم الجبهة الداخلية، تصبح السياسة الخارجية أكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية وتعزيز مكانة البلاد بين الأمم.



