اقلام انفا بريس

تعذر البت” في الرقابة الدستورية الاختيارية: بين الفضائل السلبية ومخاطر عدم اليقين القانوني

أنفابريس //سفيان نجيح : باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية

أثار القرار رقم 277/26 الصادر عن المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إشكالية تتجاوز العيب الإجرائي الذي أدى إلى صدوره. فقد انتهت المحكمة إلى “تعذر البت” بسبب عدم إرفاق النص النهائي المصادق عليه في القراءة الثانية، بما حال، وفق تقديرها، دون توافر محل مكتمل للرقابة.
وتكمن أهمية القرار في أن المحكمة لم تصرح بمطابقة القانون للدستور، كما لم تقض بعدم مطابقته، وإنما انتهت إلى نتيجة إجرائية تترك النص خارج هذين الاحتمالين. وهنا تبرز الإشكالية المركزية: إلى أي حد يمكن للمحكمة الدستورية، في إطار الرقابة القبلية الاختيارية، أن تمتنع عن البت بسبب نقص في ملف الإحالة، دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف فعالية الرقابة أو خلق حالة من عدم اليقين القانوني؟
إن مقاربة هذه الإشكالية تتطلب الوقوف أولا على الأساس القانوني لتعذر البت، ثم مقارنته بفكرة “الفضائل السلبية” في القضاء الدستوري، قبل أن نخلص إلى آثاره على الأمن القانوني ومآل القانون.

أولا: تعذر البت بين صرامة الشكل وحدود الولاية

تستند المحكمة إلى مقتضيات المادة 23 من القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، التي تجعل ممارسة الرقابة قائمة على أساس الوثائق المحالة إليها. ويكتسب هذا المقتضى أهمية خاصة في الرقابة القبلية، لأن المحكمة لا تراقب مشروعا تشريعيا مجردا، وإنما نصا استكمل مسطرته البرلمانية وأصبح محددا في صيغته النهائية بمقتضى الفصل 84 من الدستور.
وعليه، فإن عدم وجود النص النهائي لا يمثل بالضرورة مجرد نقص مادي، بل قد يمس محل الرقابة ذاته. فالمحكمة لا تستطيع أن تتأكد من مطابقة نص للدستور إذا لم تكن متأكدة من أن النص الموجود أمامها هو بالفعل الصيغة التي أفرزتها الإرادة البرلمانية النهائية.
ومن هذه الزاوية، يمكن الدفاع عن صرامة المحكمة باعتبارها حماية لحدود ولايتها. فالسماح لها باستكمال كل نقص في ملف الإحالة قد يؤدي في بعض الحالات إلى انتقالها من وظيفة الرقابة إلى المشاركة في تصحيح المسطرة التشريعية.
غير أن هذه الصرامة تثير إشكالا مشروعا عند مقارنتها بالقرار رقم 255/25 المتعلق بالقانون رقم 23.02 بشأن المسطرة المدنية، حيث باشرت المحكمة الدستورية رقابتها رغم عدم إرفاق الصيغة النهائية المصادق عليها من مجلس المستشارين، اعتمادا على المعطيات المتضمنة في ملف الإحالة.
ولا يكفي هذا الاختلاف للقول بوجود تناقض في الاجتهاد، إذ قد تختلف طبيعة النقص والوثائق المتاحة في كل ملف. إلا أن المقارنة تكشف الحاجة إلى معيار أوضح يميز بين النقص الجوهري الذي يمس هوية النص موضوع الرقابة ويستحيل معه البت، والنقص المادي الذي يمكن تداركه دون أن تتدخل المحكمة في مضمون الإحالة.
وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق بالمفاضلة بين “قضاء الشكل” و”قضاء الموضوع”، وإنما بتحديد الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المحكمة عندما تواجه إحالة غير مكتملة.

ثانيا: “الفضائل السلبية” وحدود المقارنة

ترتبط فكرة “الفضائل السلبية” بألكسندر بيكل 1961، الذي رأى أن الامتناع القضائي قد يشكل وسيلة للمحكمة لحماية شرعيتها المؤسسية وتجنب التدخل غير الضروري في المجالات السياسية. فالامتناع عن الحكم لا يمثل بالضرورة ضعفا في الوظيفة القضائية، وإنما قد يكون في ظروف معينة وسيلة لضبط ممارسة سلطة القاضي الدستوري.
غير أن هذه الفكرة لا تعني أن كل امتناع قضائي يمثل فضيلة. فقد انتقد جيرالد غونثر 1964 هذا التصور محذرا من إمكانية تحول “الفضائل السلبية” إلى وسيلة للبراغماتية القضائية إذا لم تكن محكومة بمعايير قانونية واضحة.
ويمكن الاستفادة من قرار Nixon v. United States لتوضيح حدود هذه المقارنة. فقد رفضت المحكمة العليا الأمريكية مراجعة الطريقة التي مارس بها مجلس الشيوخ اختصاصه في إجراءات العزل، معتبرة أن المسألة تدخل في مجال سياسي خصه الدستور بالكونغرس.
أما الحالة المغربية فتختلف من حيث طبيعة الاختصاص. فالمحكمة الدستورية لا تواجه مسألة أخرجها الدستور من نطاق القضاء، وإنما قانونا أحيل إليها صراحة لممارسة الرقابة عليه. كما أن الرقابة قبلية، مما يعني أن الامتناع لا يتعلق بقانون نافذ، وإنما بنص يوجد في المرحلة الفاصلة بين المصادقة البرلمانية والإصدار.
وتزداد خصوصية الوضع المغربي بوجود قيد زمني دستوري (أجل شهر للإصدار حسب الفصل 50 من الدستور)، فتعذر البت هنا لا يعني مجرد تأجيل، بل قد يعني عمليا موت القانون مع نهاية الولاية التشريعية. وهنا ينهار شرط بيكل الأساسي: احتفاظ المحكمة بيدها على متى تحكم.

ثالثا: تعذر البت والأمن القانوني

تكمن الإشكالية العملية في السؤال عن أثر قرار التعذر على المسار التشريعي. فالمحكمة لم تحسم في دستورية النص، وبالتالي يبقى التساؤل قائما حول الخطوة المؤسسية التالية: هل يستكمل ملف الإحالة ويعاد عرض النص على المحكمة؟ أم يستمر مسار الإصدار؟ وما أثر القرار على أجل الشهر؟
وهنا ينبغي التمييز بين الفراغ القانوني وعدم اليقين القانوني. فقد لا يكون هناك فراغ بالمعنى الدقيق، لأن القواعد المتعلقة بإجراءات التشريع والإصدار موجودة، لكن قد تنشأ صعوبة في تحديد كيفية تطبيقها على حالة لم تنظم آثارها بصورة صريحة.
ويضرب هذا الوضع في صميم مبدأ الأمن القانوني. فاستقرار النظام القانوني لا يتطلب فقط وضوح مضمون القاعدة، وإنما يتطلب أيضا وضوح الإجراءات التي تسمح بانتقالها من مرحلة المصادقة إلى مرحلة النفاذ. وكلما بقي أثر قرار التعذر غير واضح، ازدادت احتمالات عدم اليقين بالنسبة إلى الفاعلين المؤسساتيين والمخاطبين بالقانون.
غير أن ذلك لا يعني تحميل المحكمة مسؤولية الخطأ الذي أدى إلى تعذر البت. فالجهة المحيلة تظل مسؤولة عن تقديم ملف مستوفٍ لشروطه، بينما تتمثل وظيفة المحكمة في التحقق من توافر شروط ممارسة اختصاصها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين صرامة شروط الولاية وفعالية الرقابة الدستورية.

رابعا: مآل القانون والخيارات الممكنة

يبدو أن المآل الأكثر انسجاما مع طبيعة العيب الإجرائي هو استكمال ملف الإحالة وإعادة عرض النص على المحكمة الدستورية، إذا كان بالإمكان تدارك النقص دون المساس بالمسطرة التشريعية. فهذا المسار يسمح للمحكمة بممارسة اختصاصها على النص النهائي بصورة واضحة.
ويظل احتمال مواصلة مسار الإصدار قائما من حيث المبدأ، لكنه يرتبط بتحديد الأثر القانوني الدقيق لقرار التعذر على الآجال والإجراءات السابقة على الإصدار. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت المحكمة قد قضت بعدم المطابقة أم لا، وإنما بما إذا كان قرار التعذر يسمح قانونا بمواصلة المسار التشريعي أم يستوجب استكمال شروط الإحالة أولا.
وهكذا، فإن أهمية القرار لا تنتهي عند حدود عدم فحص دستورية القانون، بل تمتد إلى تحديد المسار المؤسسي الذي ينبغي أن يسلكه النص بعد التعذر. وهذه النقطة تحديدا تكشف الحاجة إلى مزيد من الوضوح التشريعية في المادة 26 من القانون التنظيمي لتنظيم آثار هذه التقنية.

في النهاية، يكشف القرار رقم 277/26 أن “تعذر البت” لا يمكن اختزاله في كونه مجرد إجراء شكلي، كما لا يصح اعتباره تلقائيا تنازلا عن الولاية القضائية. فهو يقع عند نقطة التماس بين مبدأين: حماية حدود الاختصاص القضائي، وضمان فعالية الرقابة الدستورية.
وتبدو مشروعية هذه التقنية مرتبطة بثلاثة عناصر أساسية: أن يكون النقص حقيقيا ومؤثرا في تحديد محل الرقابة، وأن يتعذر تداركه دون تدخل المحكمة في المسطرة التشريعية، وأن تكون الآثار المترتبة على القرار قابلة للتحديد بصورة واضحة.
ومن ثم، فإن الإشكال الذي يطرحه القرار لا يكمن في مجرد قبول تقنية “تعذر البت” أو رفضها، وإنما في ضرورة بناء إطار قضائي وتشريعي يحدد متى يكون الامتناع حماية للولاية القضائية، ومتى يتحول إلى مصدر لعدم اليقين القانوني. وفي هذا التوازن تحديدا تتحدد قدرة القضاء الدستوري على الجمع بين صرامة الشكل وفعالية حماية الدستور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى