
المغرب يخلد الذكرى الـ73 لثورة الملك والشعب.. ملحمة خالدة جسدت وحدة العرش والأمة
أنفابريس //
يخلد الشعب المغربي، غدا الخميس 20 غشت 2026، الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، التي شكلت محطة حاسمة في مسيرة الكفاح الوطني من أجل التحرر من الاستعمار واسترجاع السيادة الوطنية، وجسدت أروع صور التلاحم بين العرش والشعب دفاعا عن حرية الوطن ومقدساته وثوابته.مراجع جغرافية
وتستمد هذه المناسبة مكانتها الراسخة في الذاكرة الوطنية من كونها لم تكن حدثا معزولا، بل جاءت تتويجا لمسار طويل من المقاومة المسلحة والعمل السياسي، خاضه المغاربة منذ فرض نظام الحماية سنة 1912، وقدموا خلاله تضحيات جسيمة في سبيل استقلال وطنهم ووحدته.
صفحات مشرقة من المقاومة المغربية واجه المغاربة الوجود الاستعماري بملاحم بطولية في مختلف ربوع المملكة، من بينها معركة الهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، ومعركة أنوال بالريف، ومعركة بوغافر، ومعركة جبل بادو سنة 1933، إلى جانب انتفاضات ومعارك أخرى كشفت تشبث المغاربة بحريتهم ورفضهم إخضاع وطنهم للهيمنة الأجنبية.
وأظهرت هذه المقاومة أن الروح الوطنية ظلت حاضرة في مختلف مناطق المغرب، وأن محاولات فرض الأمر الواقع الاستعماري لم تفلح في كسر إرادة المغاربة أو إضعاف ارتباطهم بوطنهم وهويتهم.مراجع جغرافية
وبموازاة المقاومة المسلحة، تطور العمل الوطني والسياسي من خلال نشر الوعي والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب المغربي، وصولا إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944.
وشكلت هذه الوثيقة منعطفا حاسما في مسيرة التحرر، إذ انتقل النضال الوطني من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة الصريحة باستقلال المغرب ووحدته الترابية، مجسدا وحدة الإرادة بين العرش والحركة الوطنية والشعب.
زيارة طنجة وترسيخ مطلب الاستقلال
شكلت الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة المغفور له الملك محمد الخامس إلى مدينة طنجة في 9 أبريل 1947 محطة بارزة في تصعيد النضال الوطني.
وحمل الخطاب الذي ألقاه جلالته خلال هذه الزيارة رسائل قوية بشأن تطلع المغرب إلى الحرية والاستقلال والوحدة، ورسخ مكانة العرش باعتباره حاملا لطموحات الشعب المغربي ومدافعا عن سيادته وهويته.
وأربكت هذه المواقف سلطات الحماية، خاصة مع تنامي الوعي الوطني واتساع دائرة المقاومة واشتداد الالتفاف الشعبي حول الملك محمد الخامس، الذي أصبح رمزا لوحدة المغاربة ورفضهم استمرار الاستعمار.
نفي الملك يفجر الثورة
أمام تصاعد المد الوطني وقوة التلاحم بين العرش والحركة الوطنية والشعب المغربي، لجأت سلطات الحماية إلى سياسة التضييق والمناورة، قبل أن تقدم في 20 غشت 1953 على نفي بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له الملك محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة.مراجع جغرافية
وكان الاستعمار يعتقد أن إبعاد رمز السيادة الوطنية سيضعف المقاومة ويفكك وحدة المغاربة، غير أن القرار أدى إلى نتائج معاكسة تماما.
فقد انتفض الشعب المغربي في مختلف المدن والقرى، وتصاعدت أعمال المقاومة والفداء والمظاهرات والاحتجاجات، لتتحول واقعة النفي إلى شرارة أشعلت ثورة وطنية شاملة.
ورفض المغاربة الاعتراف بالواقع الذي حاول الاستعمار فرضه، وظلوا أوفياء لملكهم الشرعي، لتصبح عودة محمد الخامس إلى العرش مطلبا وطنيا لا ينفصل عن مطلب الاستقلال.
تضحيات صنعت طريق التحرير
قدم المقاومون وأعضاء الحركة الوطنية تضحيات جسيمة خلال هذه المرحلة، وسقط عدد منهم شهداء في سبيل حرية المغرب وعودة ملكه الشرعي.
ومن أبرز رموز هذه المرحلة الشهيد علال بن عبد الله، الذي نفذ عمليته الفدائية يوم 11 شتنبر 1953، والشهيد محمد الزرقطوني، أحد أبرز قادة المقاومة بالدار البيضاء، إلى جانب مقاومين ومجاهدين في مختلف أنحاء المملكة.
وتكثفت العمليات الفدائية، وتشكلت الخلايا السرية، واتسعت رقعة المقاومة، قبل أن تنطلق عمليات جيش التحرير بشمال المملكة في أكتوبر 1955، في تطور ميداني زاد من الضغط على سلطات الاستعمار.
ولم يعد بإمكان هذه السلطات احتواء الغضب الشعبي أو تجاهل وحدة المغاربة حول مطلبين واضحين: عودة الملك الشرعي وإنهاء الحماية.
عودة محمد الخامس وبشرى الاستقلال
أمام صمود الشعب المغربي وتصاعد المقاومة، اضطرت السلطات الاستعمارية إلى الرضوخ لإرادة العرش والشعب.
وعاد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، في لحظة تاريخية استقبلها المغاربة بفرحة عارمة.
وحمل الملك الراحل إلى شعبه بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبداية عهد الحرية والاستقلال، لتدخل المملكة مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة المستقلة.
وانتقل المغرب بذلك من معركة التحرير إلى ما سماه الملك محمد الخامس «الجهاد الأكبر»، أي معركة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ السيادة الوطنية.مراجع جغرافية
من الاستقلال إلى استكمال الوحدة الترابية
لم تتوقف مسيرة التحرير عند إنهاء الحماية، بل تواصلت من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة واسترجاع المناطق التي ظلت تحت الاحتلال الأجنبي.
وواصل جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، سيرا على نهج والده المنعم، قيادة معركة الوحدة الترابية، مستندا إلى الشرعية التاريخية والإرادة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسي.
واسترجع المغرب طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، قبل أن تتوج هذه المسيرة بتنظيم المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975.
وشكلت المسيرة الخضراء نموذجا حضاريا في النضال السلمي، بعدما استجاب مئات الآلاف من المغاربة لنداء الملك الحسن الثاني، وتوجهوا إلى الأقاليم الجنوبية حاملين المصاحف والأعلام الوطنية لاسترجاع الحق المسلوب.
وتواصل استكمال الوحدة الترابية بجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية يوم 28 فبراير 1976، ثم باسترجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.
دلالات متجددة في مغرب اليوم
إذا كانت ثورة الملك والشعب قد شكلت في الماضي ملحمة للتحرر واسترجاع السيادة، فإن قيمها تظل حاضرة في مسيرة المغرب بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس.مراجع جغرافية
وتتجسد هذه القيم في مواصلة بناء دولة حديثة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح العليا للمملكة، وترسيخ مكانة المغرب إقليميا ودوليا.
كما تذكر هذه المناسبة بأن قوة المغرب لم تكن مرتبطة فقط بما حققه من انتصارات ميدانية و سياسية، بل استندت أساسا إلى وحدة العرش والشعب وقدرتهما على مواجهة التحديات بإرادة مشتركة.
ذاكرة وطنية للأجيال
تشكل الذكرى الثالثة والسبعون لثورة الملك والشعب مناسبة لاستحضار تضحيات شهداء المقاومة وأعضاء الحركة الوطنية وجيش التحرير، وتجديد الوفاء لمن بذلوا أرواحهم دفاعا عن حرية المغرب وكرامته.
كما تمثل فرصة لتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ وطنها، وترسيخ قيم الوطنية والتضحية والوفاء والتشبث بالثوابت والمقدسات.
وتظل ثورة الملك والشعب، بما تختزنه من ملاحم ودلالات، صفحة مشرقة في التاريخ المغربي ومرجعا وطنيا لاستلهام معاني الوحدة والصمود، ومواصلة مسيرة البناء والتنمية وصيانة السيادة والوحدة الترابية للمملكة.


