
تحركات «الحاجة» بتالكجونت تثير تساؤلات حول حدود العمل الخيري والتوظيف السياسي
أنفابريس //
أثارت تحركات فاعلة جمعوية معروفة بأنشطتها في مجال العمل الخيري والإحسان العمومي، خلال الأيام الأخيرة، نقاشاً محلياً بجماعة تالكجونت، حول الحدود الفاصلة بين المبادرات الاجتماعية ذات الطابع الإنساني واحتمال توظيفها في سياق سياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وتُعرف الفاعلة المذكورة على مواقع التواصل الاجتماعي بلقب «الحاجة»، وقد ارتبط اسمها، على مدى سنوات، بعدد من المبادرات الخيرية، لاسيما المساهمة في حفر وتجهيز الآبار وتوفير الماء لفائدة سكان عدد من مناطق سوس. كما أكدت في مناسبات مختلفة ابتعادها عن العمل السياسي، وحصر نشاطها في المجال الاجتماعي والإحساني.
غير أن مضامين عدد من البثوث المباشرة المتداولة أخيراً أعادت طرح تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الجديدة من تحركاتها، بعدما تضمن خطابها إشارات إلى الانتخابات التشريعية المقبلة، بالتزامن مع الإشادة بنائب برلماني حالي يُتداول اسمه كمرشح محتمل للاستحقاقات المقبلة بدائرة تارودانت الشمالية، مع حضور لافت لجماعة تالكجونت ضمن هذه التحركات.
وبحسب ما ورد في تلك البثوث، جرى الحديث عن إمكانية المساهمة في حفر وتجهيز آبار والتدخل لمعالجة بعض الإشكالات المرتبطة بالماء، إلى جانب الإشارة إلى وكالة الحوض المائي لسوس ماسة، وربط بعض المبادرات أو التدخلات المرتقبة بالنائب البرلماني المعني.
وأعادت هذه المعطيات إلى الواجهة سؤالاً أساسياً حول طبيعة هذه التحركات: هل يتعلق الأمر باستمرار للعمل الخيري الذي دأبت الفاعلة الجمعوية على القيام به منذ سنوات، أم أن هذا النشاط بدأ يأخذ أبعاداً سياسية من خلال ربط مبادرات وخدمات اجتماعية بشخصية سياسية بعينها؟
وتكتسي هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى توقيت التحركات، الذي يأتي في مرحلة تسبق الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، فضلاً عن طبيعة الوعود المتداولة وارتباطها بخدمات تمس حاجيات أساسية للساكنة، وفي مقدمتها توفير الماء بالمناطق القروية.
ويطرح هذا السياق، من الناحية القانونية، مسألة الحدود الفاصلة بين النشاط الاجتماعي المشروع وبين الممارسات التي قد تندرج، متى توافرت عناصرها وثبت القصد الانتخابي بشأنها، ضمن التأثير على إرادة الناخبين بواسطة منافع أو تبرعات أو وعود بخدمات، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء.
وتزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالماء وحفر الآبار في مناطق تعاني خصاصاً في هذه المادة الحيوية، إذ إن اقتران الاستفادة من خدمة اجتماعية أساسية باسم مرشح أو فاعل سياسي قد يثير تساؤلات حول استقلالية المبادرة ومدى ارتباطها، من عدمه، بأي هدف انتخابي.
كما يثير تداول اسم وكالة الحوض المائي لسوس ماسة ضمن الحديث عن هذه المبادرات أسئلة تستدعي التوضيح، من قبيل: هل توجد برامج أو اتفاقيات رسمية تهم حفر أو تجهيز آبار بجماعة تالكجونت؟ وهل للوكالة أي التزام أو شراكة مرتبطة بالمبادرات التي يجري الحديث عنها؟ وما طبيعة الإجراءات القانونية والإدارية المؤطرة لمثل هذه التدخلات؟
وتكتسي هذه الأسئلة أهمية بالنظر إلى ضرورة الحفاظ على حياد المؤسسات والمرافق العمومية، وتفادي أي لبس قد يدفع المواطنين إلى الربط بين تدخلاتها أو برامجها وبين دعم طرف سياسي أو انتخابي معين.
وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن هذه التحركات تشكل حملة انتخابية سابقة لأوانها أو ممارسة مخالفة للقانون بمجرد تداول هذه المعطيات، إذ يبقى تحديد الطبيعة القانونية للأفعال وإثبات وجود قصد انتخابي من عدمه من اختصاص الجهات المختصة، استناداً إلى الوقائع والقرائن المتوفرة.
غير أن ذلك لا يلغي مشروعية جملة من الأسئلة التي باتت مطروحة محلياً: بأي صفة تُقدم هذه الوعود للساكنة؟ ومن يتحمل كلفة حفر الآبار وتجهيزها؟ وما طبيعة العلاقة بين الفاعلة الجمعوية والنائب البرلماني الذي يجري الترويج له؟ ولماذا برز التركيز على جماعة تالكجونت خلال هذه الفترة تحديداً؟ وهل يتعلق الأمر بمبادرات خيرية مستقلة، أم بتداخل بين العمل الإحساني والتعبئة السياسية؟
ويمتد النقاش أيضاً إلى مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين، ذلك أن تحول الخدمات الاجتماعية أو الوعود بالتدخل لدى المؤسسات إلى أدوات للتواصل السياسي قبل بدء الحملة الرسمية قد يثير، متى ثبت ارتباطه بهدف انتخابي، إشكالات تتعلق بشروط المنافسة المتكافئة بين المرشحين.
ويبقى العمل الخيري والإحساني مبادرة محمودة لما يؤديه من أدوار اجتماعية وإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تعرف خصاصاً في بعض الخدمات الأساسية. غير أن الحفاظ على مصداقيته يقتضي إبقاءه مستقلاً عن الحسابات الانتخابية، تماماً كما يفترض في المنافسة السياسية أن تقوم على البرامج والأفكار والالتزامات الواضحة، بعيداً عن أي استثمار محتمل لحاجيات المواطنين الاجتماعية في التأثير على اختياراتهم الانتخابية.



