
حد السوالم.. حين يتسع النشاط الصناعي وتتسع معه انتظارات الساكنة
أنفابريس //متابعة : فنان الغنيمي .
تشهد مدينة حد السوالم، خلال السنوات الأخيرة، دينامية صناعية واقتصادية متنامية، في ظل احتضانها لعدد من الوحدات والمقاولات الصناعية، بالتوازي مع استمرار مشاريع استقطاب استثمارات جديدة بالمنطقة.
وكانت وزارة الصناعة والتجارة قد أشارت، في وقت سابق، إلى تطوير منطقتين صناعيتين بمدينة حد السوالم على مساحة إجمالية تقارب 110 هكتارات، في سياق توجه يروم تعزيز العرض الصناعي وجذب مزيد من الاستثمارات وخلق فرص للشغل.
ولا شك أن هذا التحول الاقتصادي يمثل رافعة مهمة للتنمية المحلية، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره الأنشطة الصناعية من فرص للعمل، وتحريك الدورة الاقتصادية، وتشجيع الخدمات والأنشطة المرتبطة بها.
غير أن توسع النشاط الصناعي يفتح، في المقابل، نقاشاً مشروعاً حول سؤال أساسي: إلى أي حد تنعكس هذه الدينامية الاقتصادية على الحياة اليومية لساكنة حد السوالم؟
فانتظارات المواطنين لا تتوقف عند رؤية المصانع والوحدات الإنتاجية وهي تتوسع، وإنما تتطلع أيضاً إلى أن يكون لهذا النشاط أثر ملموس على محيط المدينة وساكنتها، سواء من خلال فرص الشغل، أو دعم المبادرات المحلية، أو المساهمة في حماية البيئة، أو الانخراط في مشاريع اجتماعية وثقافية ورياضية.
ومع تزايد عدد الوحدات والمقاولات، تبرز أهمية تعزيز فرص استفادة أبناء المنطقة من مناصب الشغل التي تتيحها هذه المشاريع، سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل الخدمات والمهن المرتبطة بالنشاط الصناعي.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بتوظيف أبناء المدينة بشكل حصري، وإنما بفتح قنوات للتواصل والتنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المحلية والهيئات المختصة في التشغيل والتكوين، بما يساعد على تقريب فرص العمل من الشباب المحلي وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
ومن بين المجالات التي يمكن أن تشكل أرضية خصبة للشراكة بين القطاع الاقتصادي والمجتمع المحلي، المجال الرياضي.
ويأتي شباب السوالم الرياضي لكرة القدم في مقدمة المكونات الرياضية التي تحمل اسم المدينة وتمثلها في المنافسات الوطنية، الأمر الذي يجعل البحث عن شراكات مستدامة لدعم الفريق والرياضة المحلية موضوعاً مطروحاً للنقاش بين مختلف الفاعلين.
فدعم الرياضة لا ينبغي بالضرورة أن يقتصر على تمويل فريق أو مناسبة رياضية، وإنما يمكن أن يمتد إلى برامج لتأطير الفئات الصغرى، وتطوير البنيات الرياضية، وتشجيع المواهب المحلية، وتنظيم أنشطة لفائدة الأطفال والشباب.
ويمكن لمثل هذه المبادرات، في حال توفر شراكات واضحة وشفافة، أن تجعل من الرياضة مجالاً حقيقياً للاندماج الاجتماعي وخدمة المجتمع المحلي.
في المقابل، يبرز مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمقاولات باعتباره إحدى الآليات التي يمكن من خلالها تعزيز العلاقة بين المؤسسات الاقتصادية والمجالات التي تحتضن أنشطتها.
فالمقاولة لا تمثل فقط وحدة اقتصادية تبحث عن الاستثمار والإنتاج، وإنما يمكن أن تكون أيضاً شريكاً في محيطها الاجتماعي، من خلال مبادرات مرتبطة بالبيئة، والثقافة، والرياضة، والتكوين، ودعم الفئات الاجتماعية، والمساهمة في بعض المشاريع ذات المنفعة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش المطروح في حد السوالم لا يستهدف الشركات ولا يقلل من أهميتها الاقتصادية، بل يطرح سؤالاً حول كيفية جعل العلاقة بين الاستثمار والمجتمع المحلي أكثر تكاملاً.
ويظل الجانب البيئي من الملفات التي تكتسب أهمية خاصة في المدن التي تعرف توسعاً صناعياً.
فمع ارتفاع النشاط الاقتصادي والصناعي، تبرز الحاجة إلى مواكبة هذا التطور بإجراءات وبرامج تراعي البيئة وتحافظ على جودة المجال الحضري، مع تشجيع المبادرات المرتبطة بالتشجير والمساحات الخضراء والتوعية البيئية ودعم المشاريع المحلية ذات الصلة.
ويمكن في هذا الإطار التفكير في مبادرات مشتركة تجمع الشركات والجماعة والفعاليات المدنية، بما يجعل حماية البيئة مسؤولية جماعية وليست حكراً على جهة واحدة.
أمام هذه التحولات، يبرز مقترح يمكن أن يشكل موضوع نقاش محلي: إرساء إطار واضح للشراكة بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المنتخبة والفعاليات المدنية والرياضية.
إطار يمكن أن يحدد مجالات التعاون، ويشجع المقاولات على الإعلان عن برامجها في مجال المسؤولية الاجتماعية، ويفتح المجال أمام مشاريع قابلة للقياس في قطاعات الرياضة والثقافة والبيئة والتكوين والتنمية المحلية.
فالرهان ليس فقط على حجم الاستثمارات التي تستقطبها المدينة، وإنما أيضاً على القيمة المضافة التي يمكن أن تتركها هذه الاستثمارات في محيطها.
إن الدينامية الصناعية التي تعرفها حد السوالم تشكل، في حد ذاتها، فرصة مهمة للمدينة، لكن تحويل هذه الدينامية إلى تنمية محلية شاملة يظل رهيناً بمدى قدرة مختلف المتدخلين على بناء جسور التعاون.
فالقطاع الاقتصادي يحتاج إلى محيط مستقر ومتطور، والمدينة تحتاج إلى استثمارات وفرص شغل، والمجتمع المحلي ينتظر أن يرى آثار التنمية في حياته اليومية.
ومن هنا، فإن فتح حوار مؤسساتي ومجتمعي حول المسؤولية الاجتماعية للمقاولات قد يشكل خطوة عملية نحو بناء علاقة أكثر توازناً بين الاستثمار والمجال المحلي.
حد السوالم اليوم ليست فقط مدينة تحتضن وحدات صناعية واستثمارات اقتصادية، وإنما مجال حضري يعرف تحولات متسارعة، وساكنة لها انتظارات متزايدة.
والتحدي الحقيقي يتمثل في جعل هذه الدينامية الاقتصادية تتحول إلى قيمة مضافة اجتماعية وبيئية وثقافية ورياضية، بما يعزز مكانة المدينة ويجعل الاستثمار شريكاً في التنمية، وليس مجرد نشاط اقتصادي قائم داخل المجال.



