
الخطاب الملكي: ملامح مرحلة جديدة عنوانها تسريع الإصلاح وتعزيز التنمية وترسيخ الثقة في المؤسسات .
أنفا بريس //
ترسم مضامين الخطاب الملكي معالم مرحلة جديدة تتقاطع فيها المسؤولية السياسية مع رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتتداخل فيها ضرورة صون الهوية الوطنية والاعتزاز بالمكتسبات مع متطلبات مواصلة الإصلاح والتحديث وتعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً. وهي مرحلة تضع الفاعلين المؤسساتيين أمام تحدي الانتقال من تحديد الأولويات إلى تجسيدها على أرض الواقع، بما يستجيب لتطلعات المواطنين ويواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية الولاية التشريعية والحكومية المقبلة في تحويل الإمكانات المتاحة إلى منجزات ملموسة، من خلال تسريع وتيرة تنفيذ البرامج، وتعزيز الالتقائية بين السياسات والاستراتيجيات العمومية، والرفع من نجاعة أداء المؤسسات. فالتحدي لم يعد يقتصر على صياغة التصورات وتحديد الأهداف، بل أصبح يرتبط أساساً بمدى القدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الأثر المباشر للسياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.
ويقتضي هذا التوجه إرساء مزيد من الانسجام بين مختلف المبادرات والبرامج، وتجاوز تشتت التدخلات، بما يضمن تكاملاً أكبر بين القطاعات والمؤسسات. كما يستدعي تعزيز أدوار المؤسسات الترابية وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها بكفاءة وفعالية، باعتبار أن تقريب القرار من المواطنين يشكل مدخلاً أساسياً لتحسين الخدمات العمومية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحقيق تنمية أكثر استجابة لخصوصيات المجالات الترابية وحاجيات ساكنتها.
ولا يتعارض الاعتزاز بالهوية الوطنية والمحافظة على المكتسبات التي راكمتها المملكة مع ضرورة مواصلة مسار الإصلاح، بل إن صيانة هذه المكتسبات وتثمينها تقتضيان تطوير القدرات الوطنية، وتحديث آليات العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الاستراتيجية القادرة على خلق القيمة المضافة وتوسيع آفاق النمو. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الجمع بين الوفاء للثوابت الوطنية والانفتاح على التحولات، في إطار رؤية تنموية تستثمر المؤهلات المتاحة وتستشرف رهانات المستقبل.
ويحتل الشباب موقعاً محورياً ضمن هذه الرؤية، بالنظر إلى دورهم في بناء المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. فتعزيز ثقتهم في المؤسسات وفي إمكانات الحراك الاجتماعي يظل رهيناً بمدى توفير فرص حقيقية في التعليم والتكوين والتأهيل والإدماج الاقتصادي، فضلاً عن توسيع إمكانات الولوج إلى سوق الشغل وتشجيع المبادرة والمقاولة والابتكار. ومن هذا المنطلق، يشكل تكافؤ الفرص والإنصاف الاجتماعي وتوسيع آفاق المستقبل مداخل أساسية لترسيخ مشاركة الشباب في مسار التنمية، وتحويل طاقاتهم إلى رافعة للتقدم والاستقرار.
وعلى المستوى الاقتصادي، تفرض التحولات الدولية المتسارعة تعزيز قدرة المملكة على مواجهة التقلبات وضمان استمرارية التزود بالمواد الأساسية، من خلال تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتنويع مصادر التوريد. كما تبرز أهمية ترسيخ الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتسريع الإقلاع الصناعي، وتوسيع مجالات الاقتصاد الرقمي، واستثمار الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. وهي رهانات تستدعي رؤية متكاملة تجمع بين تعزيز السيادة الاقتصادية، وتطوير الإنتاج الوطني، وتحفيز الابتكار، ورفع قدرة الاقتصاد المغربي على التكيف مع المتغيرات العالمية.
وفي السياق ذاته، يبرز دور القطاع الخاص الوطني باعتباره شريكاً استراتيجياً في تحقيق التنمية، بما يقتضيه ذلك من تعزيز الاستثمار المنتج، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، وتطوير القدرات التنافسية، وتوسيع قاعدة التصدير، والمساهمة الفعلية في إحداث فرص الشغل. فبناء اقتصاد أكثر دينامية واستدامة يتطلب تكاملاً بين دور الدولة في توفير الشروط الملائمة للاستثمار، ومساهمة المقاولات في خلق الثروة وتحفيز الابتكار وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي.
أما على المستوى الترابي، فإن تفعيل الجهوية المتقدمة وتعزيز اللامركزية واللاتمركز الإداري يظلان من الشروط الأساسية لتحقيق تنمية متوازنة وتقليص الفوارق المجالية. ويتوقف تحقيق هذا الهدف على معالجة الإكراهات التي تحد من فعالية المؤسسات الترابية، وتوضيح الاختصاصات والمسؤوليات، وتوفير الموارد البشرية والمالية الضرورية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف مستويات التدبير. فتمكين الجهات والأقاليم من الاضطلاع بأدوارها التنموية لا ينبغي أن يظل رهيناً بالنصوص والتصورات، بل يتعين أن يترجم إلى صلاحيات فعلية وإمكانات متاحة ومشاريع تستجيب لأولويات السكان.
وفي مجال السياسة الخارجية، تتكامل رهانات الإصلاح الداخلي مع طموح المغرب إلى ترسيخ موقعه كشريك موثوق ومسؤول، يلتزم بتعهداته، ويحترم سيادة الدول، ويؤسس علاقاته على المصالح المتبادلة والتعاون البناء. ويعزز هذا التوجه الحاجة إلى تطوير مقاربة تدبير الهجرة، ومراجعة النموذج المعتمد بما يستجيب للتحولات والتحديات الراهنة، مع تقوية آليات التعاون الدولي والإقليمي بما يخدم التنمية المشتركة، ويدعم التنافسية الاقتصادية، ويسهم في ترسيخ الاستقرار.
وتكشف هذه المحاور عن ترابط وثيق بين الإصلاح المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الحضور الدولي للمملكة. فترسيخ مكانة المغرب لا ينفصل عن قدرته على تطوير اقتصاده، وتأهيل موارده البشرية، وتحسين فعالية مؤسساته، وتحقيق تنمية مجالية أكثر إنصافاً. كما أن الاستثمار في الإنسان وتمكين المجالات الترابية يظلان ركيزتين أساسيتين في بناء نموذج تنموي قادر على الاستجابة للتحولات، وتحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز قدرة المملكة على مواصلة مسارها التحديثي بثقة واستقلالية.
وخلاصة القول، إن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بمدى تعدد البرامج أو حجم الالتزامات المعلنة، وإنما بقدرة المؤسسات ومختلف الفاعلين على ترجمة التوجيهات إلى قرارات وإجراءات ومشاريع ذات أثر ملموس. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق والالتقائية، وترسيخ ثقافة النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوجيه الإمكانات الوطنية نحو الأولويات التي تحقق أكبر منفعة للمواطنين.
فالمعيار الحقيقي لنجاعة السياسات العمومية يظل مرتبطاً بقدرتها على تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات. وهي رهانات تضع المغرب أمام أفق متجدد من الإصلاح والتنمية، قوامه الاعتزاز بالهوية الوطنية، والتشبث باستقلالية القرار، والانفتاح على شراكات متوازنة، والإيمان بأن قوة الدول لا تتحدد فقط بما تمتلكه من مؤهلات، بل أيضاً بقدرتها على تحويل هذه المؤهلات إلى إنجازات مستدامة يشعر المواطن بأثرها في واقعه ومستقبله.



