ثقافة وتراث

«الموكار».. حين تتحول ذاكرة الصحراء إلى جسر للهوية وإشعاع سياحي وتنموي.

أنفابريس //

يحظى موسم طانطان، المعروف محلياً باسم «الموكار»، بمكانة ثقافية وحضارية متميزة، باعتباره أحد أبرز التظاهرات التراثية التي تختزل عمق الهوية الصحراوية المغربية، وتجسد غنى الموروث الثقافي والاجتماعي لقبائل الصحراء، بما يحمله من عادات وتقاليد وممارسات أصيلة تناقلتها الأجيال عبر قرون من الزمن.

وقد حظي هذا الموروث باعتراف دولي بارز، بعدما أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وهي الوكالة الأممية المتخصصة التي تأسست في 16 نوفمبر 1945، ويقع مقرها الرئيسي بالعاصمة الفرنسية باريس، ضمن قائمة روائع التراث الشفهي وغير المادي للبشرية سنة 2005، قبل أن يتم إدراجه سنة 2008 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

ولا يعني هذا التصنيف أن الموسم أصبح ملكاً لمؤسسة دولية، أو أن تراثه ينبغي أن يظل حبيس صورة نمطية جامدة، بل يشكل اعترافاً أممياً بقيمته الحضارية والإنسانية، وبأهمية صونه وضمان استمرارية ممارسته ونقله إلى الأجيال القادمة، باعتباره تراثاً حياً يستمد قوته من ارتباطه الوثيق بالجماعات التي أبدعته وحافظت عليه.

ويصف ملف اليونسكو موسم طانطان بأنه تجمع سنوي للرحل الصحراويين، تشارك فيه أكثر من ثلاثين قبيلة من جنوب المغرب ومناطق أخرى من شمال غرب إفريقيا، حيث تتلاقى مختلف التعبيرات الثقافية والفنية والاجتماعية، من موسيقى وأغان شعبية وألعاب تقليدية ومسابقات في الشعر، إلى جانب التقاليد الشفوية الحسانية، وسباقات الإبل والخيول، فضلاً عن مظاهر التبادل الاقتصادي والاجتماعي التي تعكس طبيعة الحياة الصحراوية وخصوصيتها.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الموروث في كونه يتجاوز المظاهر الاحتفالية والعروض الفنية، ليشمل منظومة متكاملة من المعارف والمهارات والتقاليد المتوارثة؛ من خبرة الحرفي، وذاكرة الراوي، والقصيدة الحسانية، والإيقاعات الموسيقية، إلى فنون نصب الخيام وآداب الضيافة، والمهارات المرتبطة بتربية الإبل والتعامل مع البيئة الصحراوية. وهي عناصر لا يمكن ضمان استمراريتها بمجرد عرضها أمام الجمهور، بل تتطلب نقلها عبر الممارسة والتعلم والتفاعل بين الأجيال.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية موسم طانطان لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الزوار أو حجم المنصات والأنشطة المبرمجة، وإنما بمدى إشراك حاملي هذا التراث في صيانته وتقديمه، وفتح المجال أمام الشباب لاكتساب معارفه ومهاراته، فضلاً عن تثمين أدوار النساء والحرفيين والرواة والفنانين الذين يشكلون الذاكرة الحية لهذا الموروث.

ويظل الرهان الأساسي هو تحقيق التوازن بين الانفتاح على الجمهور والتعريف بالتراث الصحراوي من جهة، والحفاظ على أصالته وسياقاته الاجتماعية والتاريخية من جهة أخرى، حتى لا يتحول إلى مجرد مشاهد استعراضية منفصلة عن دلالاتها ووظائفها الأصلية. فكلما اقترنت العروض بالتعريف بتاريخها وأبعادها الثقافية والاجتماعية، أصبح الموسم فضاءً حقيقياً للتواصل والتعلم والتلاقح الحضاري.

وعلى المستوى المحلي، أصبح موسم طانطان، الذي تشرف على تنظيمه مؤسسة «موكار»، التي يرأسها السيد فاضل بنيعيش، السفير السابق للمملكة المغربية بمدريد، موعداً سنوياً بارزاً تنتظره ساكنة المدينة وإقليم طانطان وسائر أقاليم الصحراء بشغف كبير، لما يمثله من مناسبة لتجديد صلة الرحم، واستحضار الذاكرة الجماعية، واستعادة تفاصيل الحياة الصحراوية الأصيلة، بما تحمله من قيم التضامن والتآزر والتعايش وكرم الضيافة.

إنه أكثر من مجرد تظاهرة احتفالية؛ إنه نوستالجيا حية تسكن وجدان أبناء الصحراء، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف على تاريخ المنطقة وموروثها الحضاري، في مشهد تتداخل فيه الذاكرة الثقافية مع التعبيرات الفنية والاجتماعية، لتؤكد استمرار الهوية الصحراوية المغربية وغنى روافدها.

ولم تعد أهمية الموسم مقتصرة على أبعاده الثقافية والتراثية، بل امتدت لتشمل أدواراً اقتصادية وتنموية متنامية، إذ يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وتنشيط الحركة التجارية والخدماتية، وخلق دينامية في قطاعات الإيواء والنقل والمطاعم والصناعة التقليدية، فضلاً عن تسليط الضوء على المؤهلات السياحية والطبيعية التي تزخر بها مدينة طانطان وإقليمها.

كما يشكل الموسم واجهة مهمة للترويج للمنتوج السياحي الصحراوي، واستقطاب الزوار والسياح من مختلف أنحاء المغرب وخارجه، ممن يقصدون المنطقة لاكتشاف أسرار الصحراء وسحر طبيعتها، والتعرف على عادات أهلها وتقاليدهم العريقة، والاستمتاع بتجربة ثقافية وإنسانية متفردة تجمع بين الأصالة والتنوع والانفتاح.

وهكذا، يواصل موسم طانطان «الموكار» ترسيخ مكانته باعتباره رصيداً حضارياً وإنسانياً ثميناً، وفضاءً لصون الذاكرة الجماعية والتعريف بالهوية الصحراوية، وفي الوقت ذاته رافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية. وهي مكانة تفرض مواصلة العمل على تثمين هذا الموروث، وتعزيز إشعاعه وطنياً ودولياً، مع الحرص على أن تظل ساكنة المنطقة وحاملو تراثها في صلب مختلف المبادرات الرامية إلى صونه واستدامته.

فـ«الموكار» ليس مجرد موسم يعود كل سنة، بل حكاية أرض وإنسان، وذاكرة أجيال، ونافذة مفتوحة على عمق الثقافة الصحراوية المغربية.

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button