
برنامج مزّيندة لـOCP أمام اختبار الأرقام.. أسئلة حول كلفة الاستثمار والرقمنة والحوكمة وآليات الرقابة
أنفابريس //
منذ إطلاقه، قُدّم برنامج مزّيندة التابع للمكتب الشريف للفوسفاط (OCP) باعتباره مشروعاً استراتيجياً يرمي إلى تطوير جيل جديد من الاستثمارات الصناعية، من خلال توظيف التكنولوجيا والرقمنة وتحسين كفاءة العمليات وتعزيز التنافسية على مستوى كلفة الاستثمار (CAPEX) وتكاليف التشغيل (OPEX).
ومع تقدم مراحل البرنامج، تبرز مجموعة من التساؤلات المرتبطة ببعض الخيارات والافتراضات التي قام عليها، خصوصاً ما يتعلق بكلفة الاستثمار، والأداء التشغيلي، ومستوى الرقمنة، ومدى الاستفادة من الخبرة المتراكمة داخل المجموعة، إضافة إلى مدى مواكبة آليات المراجعة والتدقيق والرقابة لحجم البرنامج وطبيعته الاستراتيجية.
وتشير معطيات وتقديرات متداولة إلى احتمال بلوغ كلفة الاستثمار مستويات مرتفعة مقارنة ببعض المراجع الداخلية المتاحة لدى OCP. وهي معطيات تظل بحاجة إلى التحقق والمقارنة الموضوعية قبل استخلاص أي استنتاج بشأنها.
وفي هذا السياق، يطرح البرنامج أسئلة مشروعة حول طريقة إعداد التصاميم والفرضيات المالية، ومدى دراسة البدائل الممكنة، وما إذا تمت مقارنة الخيارات المعتمدة مع مشاريع قائمة داخل OCP ومع مراجع ومعايير دولية، فضلاً عن مدى الاستفادة من البنية التحتية الموجودة، خصوصاً في الجانب اللوجستي.
وتكتسب هذه التساؤلات أهميتها من كون التصميم في المشاريع الصناعية الكبرى يرتبط بصورة مباشرة بجزء مهم من التكلفة الاستثمارية، كما يمكن أن تكون له انعكاسات على اقتصاديات التشغيل طوال عمر المنشأة.
كما شكلت الرقمنة إحدى الركائز الأساسية في تقديم برنامج مزّيندة باعتباره مشروعاً صناعياً يعتمد على التكنولوجيا الحديثة. غير أن تقييم مردودية الرقمنة لا يرتبط فقط بعدد الأنظمة والتجهيزات المعتمدة، وإنما بمدى انعكاسها على الإنتاجية والصيانة والاعتمادية وسرعة اتخاذ القرار وتكاليف التشغيل.
وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات حول مستوى الرقمنة المستهدف ومدى مقارنته بما تحقق بالفعل في منشآت أخرى تابعة للمجموعة، إلى جانب تساؤلات أخرى بشأن توقعات تكاليف التشغيل (OPEX) ومدى توافقها مع مستويات منشآت مماثلة داخل المجموعة أو خارجها.
وتطرح هذه النقطة بدورها سؤالاً حول مدى ترجمة الاستثمارات التكنولوجية والرقمية إلى قيمة اقتصادية وتشغيلية ملموسة، خصوصاً أن الهدف الأساسي من التكنولوجيا في المشاريع الصناعية يظل مرتبطاً بتحسين الأداء والتنافسية.
ومن بين الجوانب التي تستحق الدراسة كذلك مدى الاستفادة من الخبرة المتراكمة داخل OCP، بالنظر إلى ما راكمته المجموعة على مدى عقود من تجارب في مجالات التشغيل والصيانة واللوجستيك والرقمنة وتحسين الأداء. ويبدو من المشروع، في هذا السياق، بحث مدى إدماج هذه الخبرة في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ برنامج بهذا الحجم.
كما تبرز أسئلة مرتبطة بمنظومة اتخاذ القرار والمراجعة الاقتصادية المصاحبة للبرنامج، خصوصاً مع الدور الذي تضطلع به JESA في عدد من مراحل التصميم والهندسة والمشتريات والعقود.
ولا يتعلق الأمر هنا بإسناد أي مسؤولية إلى JESA أو آلية challenge أو إلى أي طرف بعينه، وإنما بطرح سؤال عام حول طبيعة آليات المراجعة المستقلة المعتمدة في البرامج الكبرى، ومدى قدرتها على مقارنة الأسعار، واختبار البدائل، ومراجعة التصاميم، وقياس الأثر الاقتصادي للخيارات ذات الانعكاس المالي الكبير.
فالحوكمة في المشاريع الكبرى لا ترتبط فقط بوجود الجهات المكلفة بالتصميم والتنفيذ والتعاقد، وإنما تشمل أيضاً آليات تسمح بمراجعة الفرضيات والقرارات قبل أن تتحول إلى التزامات يصعب تعديلها لاحقاً.
ومن هذا المنطلق، تبرز أيضاً تساؤلات حول منظومة التدقيق والمراقبة التي واكبت برنامج مزّيندة، وما إذا تمت مراجعة اقتصاديات البرنامج بصورة مستقلة، وما إذا تمت مقارنة تكاليفه بالمشاريع السابقة داخل OCP وبالمعايير الخارجية، ومدى إخضاع العقود والمشتريات والخيارات التقنية ذات الأثر المالي الكبير للمراجعة المناسبة.
وفي حال وجود خلاصات أو تقارير مرتبطة بهذه المراجعات، فإن نشر المعطيات التي يمكن قانوناً الكشف عنها من شأنه أن يساهم في توضيح الصورة حول الخيارات التي تم اعتمادها والفرضيات التي بني عليها البرنامج.
كما أن طرح هذه التساؤلات لا يعني، في حد ذاته، وجود اختلالات أو مخالفات، وإنما يعكس الحاجة إلى تقييم موضوعي للخيارات الاقتصادية والتقنية المرتبطة بمشروع استراتيجي بهذا الحجم.
كما أن التعيين الجديد من طرف السيد المدير العام الذي يستحق كل التقدير والاعتراف بالجهود الكبيرة التي بذلها في سبيل تطوير مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) ومواكبة مسيرتها نحو مزيد من التطور والابتكار و الذي قد أبان من خلال مساره المهني عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وكفاءة عالية في القيادة والتدبير، إلى جانب قدرة واضحة على مواكبة التحولات وتعزيز مساهمة OCP في الاقتصاد والمجتمع… هذا التعيين ارتكز على معايير الاستحقاق والجدارة بالإضافة إلى بعد نظر السيد المدير العام في إعطاء فرصة لإعادة النظر في بعض جوانب البرنامج التي لا تزال قابلة للتقييم والتعديل، بما ينسجم مع أهداف تطوير مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط ومواكبة مسيرتها في مجالات التطور والابتكار.
كما أن أي تغيير في المسؤوليات لا يكفي وحده، إذا لم تصاحبه، عند الاقتضاء، مراجعة موضوعية للفرضيات والتصاميم وآليات اتخاذ القرار، بما يسمح بتحديد ما يمكن تحسينه أو تعديله وفق المعطيات المتوفرة والنتائج الفعلية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تشمل أي مراجعة مستقلة محتملة كلفة الاستثمار وتطورها مقارنة بالفرضيات الأولية، والتصميم والبدائل التقنية واللوجستية التي تمت دراستها، وتوقعات تكاليف التشغيل، ومستوى الرقمنة ومردوديتها الاقتصادية، إضافة إلى العقود والمشتريات والخيارات ذات الأثر المالي الكبير.
كما يمكن أن تمتد المراجعة إلى مدى الاستفادة من البنية التحتية والخبرة المتراكمة داخل المجموعة، فضلاً عن تقييم منظومة الحوكمة والتدقيق وآليات المراجعة التي واكبت عملية اتخاذ القرار.
والغاية من مثل هذه المراجعة، إن تم اعتمادها، لن تكون الحكم المسبق على الخيارات السابقة أو تحميل المسؤولية لأي جهة، وإنما تحديد مدى انسجام النتائج المتوقعة مع الأهداف التي حددها البرنامج، ورصد المجالات التي يمكن تحسينها أو تصحيحها في الوقت المناسب.
ويظل برنامج مزّيندة مشروعاً استراتيجياً يرتبط بتنافسية OCP، وهو ما يجعل إخضاع خياراته للتقييم الدوري والمقارنة الموضوعية أمراً يمكن أن يساهم في حماية قيمة الاستثمار وتحسين مردوديته.
وفي النهاية، تبقى الأرقام والمعطيات الموثقة هي الأساس الكفيل بالحسم في مختلف التساؤلات المطروحة حول كلفة الاستثمار والتشغيل والتكنولوجيا والرقمنة والحوكمة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو تحميل أي طرف مسؤولية لم تثبتها معطيات رسمية أو مراجعة مستقلة.
فالوقت يظل متاحاً للتقييم والتصحيح، وكلما تم ذلك في مراحل مبكرة، كلما كانت إمكانية تحسين الخيارات وحماية قيمة البرنامج أكبر.



