
منير الحردول: عودة..مدينة جرادة..أو عندما تستفزني الذكريات!!
أنفا بريس :
مدينة جرادة، المدينة التي ولدت وترعرعت ودرست بها وفيها منذ الصغر..مدينة كانت كلها تاطير من قبل النقابات عندما كانت النقابة اسم على مسمى..مدينة عاينت فيها كيف كان يخرج العمال من تحت الأرض وهم طلاء أسود! طلاء اسمه غبار الفحم الحجري، مدينة علمتنا الاعتماد على النفس والدراسة والعمل في آن واحد، مدينة علمتنا النضال الشفاف البعيد عن المزايدات المنصبية، مدينة تذكرني بالكثير من المآسي التي عاينتها جراء الأمراض المهنية التي ابتلي بها الكثير، ومآسي فقدان الكثير من أصدقاء الطفولة نتيجة عوارض كثيرة، ومؤسفة في بعض الاحيان، عوارض ادت إلى رحيل أغلب أبنائها البررة، الأبناء الذين عاشوا مرارة الألم بفعل ألم المرض المهني والذي فتك بالكثيرين..كأبي رحمة الله الواسعة عليه..فالرحمة الواسعة والمتجددة على من فقدناهم ولم نتمكن من رؤيتهم، والرحمة على من غادرونا لدار البقاء بدون رجمة، وصبر جميل لمن يعاني من مآسي الالم والمرض في صمت وحزن مستور..ولله ترجع الأمور في نهاية المطاف.
هذا من زاوية. ومن زاويات أخرى، ففي ظل أزمة عالمية تلوح في الأفق رويدا رويدا، بخصوص ضمان ديمومة تزويد السوق الوطنية بمصادر طاقية كافية، تطرح الكثير من الأسئلة بخصوص البدائل التي تتوفر عليها بلادنا، عوض الاستمرار في استيراد كميات مهمة من الفحم الحجري من دول كثيرة كأوكرانيا وروسيا ومن قبلها بولونيا، زد على ذلك استبراد كميات كبيرة من المحروقات..
فبلدنا ولله الحمد بها مصادر طاقية كامنة مدسوسة ومعروفة، فمدينة جرادة التي ولدت وترعرعت فيها، يقدر احتياط الفحم الحجري بها بحوالي 80 مليون طن، وهناك صخور نفطية نواحي الصويرة وغيرها بالإمكان استغلالها وتحويلها لمصادر طاقية تقي البلاد من لهيب اسعار تتضاعف شهرا بعد شهر.
لذا، فإعادة إحياء منجم مدينة جرادة، وضخ مليارات معدودة الإستخراج الفحم الحجري، بطرق عصرية، او فتح المجال للاستثمارات القطاع الخاص وطنيا ودوليا، سيعيد حتما الوهج للمنطقة الشرقية ككل، بل وسيساهم في حداث مناصب شغل غير مسبوقة، مع توفير مداخل ضريبية هامة للدولة، وتزويد المحطات الحرارية بفحم محلي عال الجودة، اسمه فحم الكوك، هذا مع تنشيط اقتصاد الجهة الشرقية ككل..ففي الأزمات تحتاج السياسات لكثرة الإبداعات.
فيا مدينة جرادة رغم أصولي التي تعود لمدينة تازة، فالمولد والنشأة والتعليم والتأثير والتاطير، كان بك ومعك، رغم معاناة فحم ازهق أرواح الكثير من الأبرياء بفعل المرض المهني المرتبط باستخراج الفحم الحجري!!! ستبقى مدينة جرادة مدينة بحاجة لمن يعيد وهج نشاطها المنجمي، الاقتصادي، والثقافي وهكذا…



