
حرب الموارد: مستقبل التنافس العالمي على المعادن الأرضية النادرة
انفا بريس :
كانت الولايات المتحدة حتى ثمانينيات القرن الماضي، أكبر منتج للمعادن الأرضية النادرة في العالم، لكن مع استثماراتها الضخمة في قدراتها بمجال التعدين ومعالجة المعادن، وتجاهلها للاعتبارات البيئية المتعلقة باستخراجها، أصبحت الصين تهيمن على أكثر من 80% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة في العالم وفقاً للمسح الجيولوجي الأمريكي لعام 2019. وقد أظهرت الصين، في مناسبات عديدة، استعداداً للاستفادة من نفوذها في صناعة المعادن الأرضية لتحقيق أهدافها السياسية، وكسلاح في حربها التجارية مع الولايات المتحدة، وهو ما يُثير التساؤل بشأن مستقبل التنافس العالمي حول هذه المعادن النادرة.
توازنات الأسواق العالمية:
تُعد التجارة العالمية في المعادن الأرضية النادرة صغيرة نسبياً مقارنة بالسلع الأخرى. في عام 2019، بلغت قيمة الواردات الأرضية النادرة في جميع أنحاء العالم 1.15 مليار دولار فقط، وهو جزء بسيط من أكثر من تريليون دولار من واردات النفط الخام العالمية، وتتوزع التجارة العالمية في هذه المعادن على النحو التالي:
1- دور مهيمن للصين: لسنوات طويلة، استغلت بكين قوتها العاملة منخفضة التكلفة نسبياً والقوانين البيئية المتساهلة، والسياسات الاحتكارية التي تمنع المشاركة الأجنبية في تعدين المعادن النادرة بالصين، للحصول على ميزة تنافسية في السوق العالمية، حيث أصبحت المورد الرئيسي للمعادن النادرة. وخلال الفترة من عام 2008 إلى عام 2018، صدرت الصين 42.3% من جميع صادرات المعادن الأرضية النادرة. ذهبت الغالبية العظمى من هذه الصادرات إلى القوى الاقتصادية والتكنولوجية الرئيسية في العالم، وتحديداً اليابان، الولايات المتحدة، هولندا، كوريا الجنوبية، إيطاليا. واستوردت هذه البلدان الخمسة مجتمعة 87.8% من صادرات الصين الأرضية النادرة.
2- تراجع أمريكي متزايد: في العقود التي سبقت الثمانينيات، كانت الولايات المتحدة القوة المسيطرة في سوق المعادن النادرة، لكن تغير ذلك مع نمو الإنتاج في الصين والضغوط البيئية المتزايدة في الداخل الأمريكي، والتي دفعتها لإغلاق المنجم الوحيد في كاليفورنيا لإنتاج تلك المعادن. وأصبحت الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للمعادن الأرضية النادرة، حيث ساهمت بما يقرب من 9.3% من الإجمالي العالمي خلال الفترة من 2008-2018. في حين حصلت الولايات المتحدة عام 2019 على 33.4% من الصادرات الصينية من المعادن النادرة، وفقاً للإدارة العامة للجمارك في الصين.
دوافع الصدامات الدولية:
هناك العديد من العوامل المفسرة للتنافس العالمي المحتدم على المعادن الأرضية النادرة، من بينها:
1- ارتفاع تكلفة الاستخراج والمعالجة: المواد الأرضية النادرة عبارة عن مجموعة من 17 عنصراً في الجدول الدوري. ويأتي تفردها من أنها عادة ما تكون عالقة في معادن ومركبات أخرى. والعناصر الأرضية النادرة أكثر وفرة مما يوحي اسمها، لكن استخراج المعادن ومعالجتها وتنقيتها يطرح مجموعة من القضايا التقنية والسياسية والبيئية. فتعدين المعادن الأرضية النادرة وتحويلها إلى مواد قابلة للاستخدام عملية باهظة التكلفة ومضرة بالبيئة.
2- الاستخدام في الصناعات عالية التقنية: تُستخدم المعادن النادرة، التي تشمل النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم والسيريوم واليوروبيوم والكوبالت والليثيوم وغيرها، في كافة الصناعات والأجهزة عالية التقنية تقريباً، كالبطاريات القابلة لإعادة الشحن للسيارات الكهربائية والهجينة، ومحركات السيارات الكهربائية، وأجهزة الكمبيوتر والتلفزيون، وتوربينات الرياح، والشاشات، والهواتف الذكية، والإضاءة، والليزر، والألياف البصرية، والموصلات الفائقة. ومع الاعتماد الكبير على معادن الأرض النادرة، تشعر الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالقلق من أنّ أي تعطيل لسلاسل التوريد الخاصة بهم لمثل هذه المعادن سيضر بصناعاتها الرئيسية.
3- التوظيف كسلاح في الحروب التجارية: مثّلت المعادن النادرة أداة في يد الصين خلال الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” ضدها؛ فسيطرة الصين على معادن الأرض النادرة تُشكّل خطراً على سلاسل التوريد العالمية والصناعات الحديثة. وفي مايو 2019، أصدرت أكبر وكالة للتخطيط الاقتصادي في الصين بياناً يُشير إلى أن بكين قد تتوقف عن تصدير هذه المواد. وقد وردت بعض الأنباء عن وضع إدارة “ترامب” خططاً لفرض تعريفات جمركية على الصادرات الصينية من المعادن النادرة، لكنها لم تنفذها أبداً بسبب مخاوف من تعرض الشركات الأمريكية للانكشاف مع عدم وجود موردين بديلين ميسوري التكلفة.
4- توسع سياسات “الضغط بالموارد”: لم تتوانَ الصين عن توظيف نفوذها في مجال إنتاج المعادن الأرضية النادرة لتحقيق أهدافها السياسية؛ ففي عام 2010 فرضت بكين قيوداً على صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان لمدة شهرين، وسط نزاع معها بسبب إلقاء الأخيرة القبض على قبطان قارب صيد صيني صدم سفينة خفر السواحل اليابانية في المياه بالقرب من جزر متنازع عليها بين البلدين.
5- تزايد التطبيقات العسكرية المهمة: تُستخدم المعادن النادرة على نطاق واسع في الجيوش؛ فوجودها ضروري في صناعة المحركات النفاثة، وأنظمة توجيه الصواريخ والدفاع، والأقمار الصناعية والليزر، وتُستخدم أيضاً في أجزاء سفن الفضاء والطائرات بدون طيار، والغواصات النووية. لذلك، يشعر صانعو السياسة في الولايات المتحدة بالقلق بشكل خاص من اضطرابات سلاسل التوريد القادمة من الصين، والتي يمكن أن تُهدد صناعة الدفاع الأمريكية، التي تستخدم عناصر أرضية نادرة في مجموعة واسعة من التقنيات، من معدات السونار والاتصالات إلى الصواريخ والمحركات النفاثة.
خريطة الاتجاهات الصاعدة:
توجد رواسب المعادن الأرضية النادرة في الصين والولايات المتحدة وأستراليا والبرازيل وبوروندي والهند وماليزيا وميانمار وروسيا وتايلاند وفيتنام، مع احتياطيات عالمية تُقدر بنحو 120 مليون طن، وبالرغم من سيطرة الصين على الإنتاج العالمي من المعادن النادرة؛ فإن المستقبل يُرجح تراجع هذه السيطرة، وذلك للاعتبارات التالية:
1- سياسات الاستحواذ الصينية: مع نمو الاستهلاك المحلي للصين من المعادن النادرة، ستعتمد البلاد على الواردات لتلبية الطلب المتزايد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة، خاصة ما يتعلق بصناعات السيارات الكهربائية وأنظمة الطاقة المتجددة. وقد أصبحت الصين بالفعل أكبر مستورد للمعادن النادرة في العالم في عام 2018، ومن المتوقع أن تصبح مستورداً صافياً بحلول عام 2050. في ظل هذه الظروف، سيقل تأثير بكين على صناعة المعادن الأرضية النادرة بشكل كبير، وقد يجد اللاعبون الجدد أنفسهم قادرين على المنافسة بدرجة أكبر. وبالفعل، ازداد تعدين المواد الأرضية النادرة الخام خارج الصين بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
2- تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي: في السنوات الأخيرة، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة تأسيس نفسها كمورد عالمي رئيسي للمعادن الأرضية النادرة. وقد أنشأ البنتاجون مخزوناً حكومياً من المعادن الأرضية النادرة مماثلاً للاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، وفي العام الماضي أعلن عن خطط لشراء حوالي 5 آلاف طن منها. وأقر مجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو 2021 قانوناً يهدف إلى تحسين القدرة التنافسية الأمريكية يتضمن أحكاماً لتحسين سلاسل إمداد المعادن المهمة. وسبق أن وقع الرئيس “جو بايدن” في فبراير 2021 على أمر تنفيذي يهدف إلى مراجعة الفجوات في سلاسل التوريد المحلية للمعادن النادرة والأجهزة الطبية والرقائق والموارد الرئيسية الأخرى.
3- استراتيجيات تحجيم الاعتماد على الصين: سعت العديد من الدول الكبرى إلى الحد من اعتمادها المتزايد على الصين في إمدادات العناصر الأرضية النادرة، عبر تنفيذ عدد من المبادرات التي تستهدف إعادة تشكيل سلاسل التوريد الخاصة بها لتكون أكثر مرونة. وقد قام الاتحاد الأوروبي بتمويل مبادرة لإعادة تدوير نفايات المغناطيس الدائم إلى سبائك ومواد جديدة. وسعت كوريا الجنوبية إلى تنويع إمداداتها من العناصر الأرضية النادرة من خلال تقليل الواردات من الصين، وزيادة وارداتها من اليابان، وكذلك عبر إيجاد طرق مبتكرة لتقليل استهلاك العناصر الأرضية النادرة. إضافة إلى بعض المبادرات الأمريكية الأسترالية المشتركة بشأن معالجة المعادن الأرضية النادرة في ولاية تكساس الأمريكية، بدلاً من الصين.
ومن جملة ما سبق، يمكن القول إنه من المتوقع أن تظل الصين مهيمنة على سوق إنتاج المعادن الأرضية النادرة لبعض الوقت في المستقبل، بسبب افتقار الولايات المتحدة إلى منشآت المعالجة المحلية. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة بإمكانها زيادة إمداداتها من تلك المعادن، من خلال العمل مع الحلفاء لتعزيز القدرات الإنتاجية المشتركة، وتشجيع جهود إعادة التدوير في الداخل.
منقول



