اقلام انفا بريس

رُوح فُقدت…

أنفا بريس  : بقلم هاجر مسعودي.

الحق في الحياة حسب القانوني الوضعي الدولي بصفة عامة هو حق له قانون يحميه، سواء تعلق الأمر بالإعدام أو بالشروع في قتل إنسان لأخيه الإنسان تعسفا أو إبادة الشعوب… (حسب الجزء الثالث من المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، أما حسب المشرع المغربي والذي تختلف فيه شكل الجريمة (عمدية وغير عمدية) أو توافر سبق الإصرار والترصد أو من ناحية إقترانها بجناية (كظروف تشديد)، فالمشرع هنا حسب القانون الجنائي والفصول الموضحة بشكل تفصيلي، عرف عقوبة الجاني من مؤبد أوإعدام أوسنوات في زنزانة دون الحرية السابقة المخول له، إلا أن تعريف القتل حسب أهالي الضحايا يختلف، فلا فصل ولا حكم يستطيع شفاء غليل روح فُقدت من بينهم، مستقبل يتكون وينشأ أمامهم، حياة بكل تفاصيلها من آلام وحزن وفرح الأيام والليالي، من طفولة ومراهقة وشباب، في يد قاتل كيفما كان، وحتى أوضح ما كتب، فقد شهد ولايزال يشهد الشارع المغربي… وقائع لم تكن في الحسبان، افعال مُشينة، افعال القليل ما يقال في حقها هو شر الإنسان لا حدود له، عقل يقتل دون ضمير ولا قلب، حيث وقعت أكثر من جريمة كالعادة، لأن الجريمة أصبحت عادة والمجرم روحه باتت على الجرائم معتادة، من سرقة و إغتصاب وتزوير ونهب وسب وقذف وقتل… ولكن ما أثار إنتهباه المغاربة بصفة عامة والشباب منهم بصفة خاصة، خمس جرائم قتل، برز فيها كل قاتل بإنعدام الرحمة والضمير، بالتسلط والطغيان دون تردد، بموت اللإنسانية وتكبر الأنا، أما الضحايا فإشتهروا بصغر سنهم، إذ تم الغدر بهم في عمر الزهور، خمس جرائم مختلفة، في المكان والزمان إلا المصير الذي كان واحدا، ضحايا في مقتبل العمر، الأول تم غدره من قبل أصحابه، والثاني تم ذبحه بغير حق، والثالثة كانت ضحية لشغب الملاعب، أما الرابع فكان ضحية أنا وبعدي الطوفان، أما الجريمة الخامسة والأخيرة حسب ما تطرقنا له، راح ضحيتها أكثر من ضحية عن طريق الغدر من الضهر، ذنبهم الوحيد بحر بحدود.
كانوا شباب الغد ليغدرهم الجاني ويصبحوا في عداد الموتى دون سابق إنذار أو رحمة، دون إنسانية أو ضمير، كان كلام كل قاتل منهم سلاح مادي يغتال به الضحية لاغير، دون أن يرمش له جفن.
جرم واحد، وقتلة مختلفين، تجمعهم إنعدام المروءة، وتعامي مجرم كل ضحية على رؤية إنجازه، الإنجاز الذي كان يطمح طغيانه للوصول إليه من تدمير لحياة وروح عائلة بأكملها، لدنيا بالذكريات كانت مليئة، بحكايات لا تُنسى من طرف كل قريب، اهل أصحاب وأحباب، من هدم آمال ومستقبل بيت فقد روح من أرواحه، فقد عزيز من أهله، فقد قلبا نابضا بالحياة، فقد سندا وعمودا من أعمدة البيت، فقد من يتكإ عليه يوم الحزة، يوم الفرح والقرح. وياليت المجرم يفهم معنى هذا، معنى خطيئته، معنى إستهتاره وطغيانه، فالظلم ظلمات يوم القيام.
وحتى هذه العبارات والكلمات، لا تصف لنا مدى خطورة الطريق التي أصبحنا نتجه نحوه، حيث أضحت النفس على المصائب معتادة، وكل جريمة ما هي إلا ظاهرة سنتعود على سماعها، كفلان قُتل، وعلان زور، وفلانة إغتُصِبت، وطفل تشرد، وعاجل فضيحة فنانة سبت، ومسؤول نهب، ووو… أخبار بلا حل، قضايا مجتمع اتفق عن أن لا يتفق، إجتمع على التفرق إلى طبقات وفصائل وقبائل وأطياف ووووو … ونسى الفرد فيه أن القيم الإنسانية هي الأساس، نعم الدين واحد ما دمنا في دولة إسلامية، نعم نحترم الغير، نعم لنا تفكير منفتح والدبلوماسية الخارجية للبلاد أكبر شاهد ودليل، لكن أين نحن كمواطنين أين العقل والمروءة أين أختك أختي وأمك أمي وعائلتك عائلتي أين الإحترام وأين وأين … أسئلة بعيدة وقريبة في نفس الوقت لفهم عقلية مجرم، مهما إختلفت أفعاله، جرائمه تتحدث نيابة عنه، إذ بات لكل مجرم نفس العذر ونفس الأسباب ونفس التبريرات وعلى أنه الضحية وليس العكس وعلى أن الآخر إتجه نحوه، إستفز حدوده، تحدى قوته، وكأننا لسنا إخوة في الله حتى إن إختلف الوطن أو تغير العَلَم.
ومع ذلك، دائما ما يتم طرح تساؤل حول عقلية الجاني حول طغيانه، مبراراته وأسبابه الحقيقية في إتخاذ قرار إزهاق روح دون تردد، حتى نكَون ولو جملة مفيدة تُبرر له فعله، ولكن غالبا ما نسمع الإعتراف بالخطيئة مصحوبا “بطيش الشباب”، أو إعتراف مرفوقا بذريعة “بيئتي من جعلتني في هيئة مجرم” بمعنى أنه كان إما شخصا مقموعا أو مدللا، والعُذرين ما هم إلا كلام وتبريرات تفقد معنى الإنسانية، تهدم المبادئ والقيم، تشجع على الجرم وتجعل المجرم ضحية ومسكين، وهنا يرجع اللوم كله للمجتمع المكون من أفراد بشخصيات مختلفة وُجب التعامل معها حسب علاقة تتأسس بحدود وأحترام حتى وإن لم يكن متبادل، فيقع الفصل هنا على عاتق القانون دون غيره، إذ لا يحق لأحد إزهاق روح أحد بسبب أو بغيره، لأن ليس معنى القتل إزهاق روح واحدة فقط، بل في الحقيقة للقتل معنى أكبر من ذلك فهو تدمير حياة لأسرة بأكملها، لأرواح متعددة، لعائلة كان لديها السند وعلى من تتكإ. لا ننفي تدخل المجتمع والمحيط في تكوين المجرم، إلا أن نسبة خطأ المجتمع تُمحيها أو تُضخمها عقلية الفرد، وبالتالي هذا لا يبرر ولا يعطي عذر أن كل جريمة بمبرر وسبب، وكل سلوك أصله مجتمع ومحيط.
وفي الختام، لا يجب تعميم شكل القاتل، حتى لانقع داخل دوامة أن القاتل دائما غني وذو نفوذ، فالقاتل لا يكون دائما كما يلقب ” ولد الفشوش ” أو ذلك ” المشرمل “، ولكن هناك أناس بالغرور والتكبر والآنا الأعلى مؤمنين وبالقتل والإجرام مرتكبين وبدون رحمة يجابهون، وبالبراءة مقتنعون.

 

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button