اقلام انفا بريس

التحولات السياسية في منطقة الساحل الإفريقي: تحليل للانقلابات العسكرية والتأثير الفرنسي وتحديات الديمقراطية

أنفا بريس //بقلم : سفيان نجيح

باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

شهدت السنوات الثلاث الماضية الإطاحة بثماني حكومات من خلال انقلابات عسكرية في ستة بلدان أفريقية، جميعها في منطقة الساحل الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وتشمل هذه الدول مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر والسودان ومؤخراً الغابون، حيث تمت الإطاحة بالرئيس علي بونجو بعد ساعات فقط من إعلان إعادة انتخابه لولاية ثالثة.

وإذا كان كل مجلس عسكري لديه أسباب معلنة مميزة للإطاحة بحكومته، إلا أن هناك عددًا من العوامل المشتركة بينهم، بما في ذلك الأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية وارث ما بعد الاستعمار.
وعلى الرغم من تباين السياق في كل دولة إلى حد ما من حيث المبررات، فإن الموضوع المشترك هو في الأساس الحكومات الفاسدة ورداءة الحكم وسوء الإدارة، وهو ما يتنافى مع مفهوم الديمقراطية الذي يُفترض أن يسود في هذه البلدان.

إن موجة الأنظمة المتساقطة تمثل جزءًا من حركة أوسع لإنهاء الاستعمار والتخلص من التدخلات الخارجية، وهو تحرك يشكل تحدياً كبيراً للدولة الفرنسية التي احتفظت بتأثيراتها في المنطقة بعد الاستقلال، إذ أن جميع هذه الدول، باستثناء دولة واحدة (السودان)، كانت مستعمرات فرنسية سابقة حصلت على استقلالها بين عامي 1955 و1960. ولم يختف هذا الإرث الاستعماري أبدا، إذ حافظت فرنسا على مستوى أعلى من التدخل في شؤون مستعمراتها الأفريقية السابقة منذ الاستقلال، حيث عملت فرنسا على إنشاء اتفاقيات دفاعية تمنحها مستوى فريدًا من النفوذ.

إن هذا النفوذ المستمر أثار استياء العديد من الأفارقة، الذين ظلوا ينظرون إلى الدولة الفرنسية باعتبارها قوة تسيطر على العديد من جوانب الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية لبلادهم. وينطبق هذا بشكل خاص على غرب أفريقيا، حيث كانت فرنسا تمتلك معظم مستعمراتها، ولا تزال لديها قواعد عسكرية تستخدمها إلى اليوم بداعي حربها ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة.

ولعل أكثر المستفيدين من غيرهم من العداء المتزايد تجاه فرنسا هم روسيا والصين، إذ عززت موسكو وبكين في السنوات الأخيرة وجودها في جميع أنحاء القارة الأفريقية، متعلمين من أخطاء الفرنسيين ومكييفين خطابهم ليضعوا أنفسهم كحلفاء مناهضين للإمبريالية.

ولأن السلطة تكون شرعية عندما يعترف بها الناس وتحظى بتأييد الجماهير، وأنها القوة التي يُمكن للحاكم من خلالها تحقيق الامتثال الطوعي للمواطنين على حد تعبير عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، ومكون أساسي للاستقرار السياسي والاجتماعي، فإن تولي أي شخص أو جهة الحكم سيما في ظروف غير دستورية، يفرض عليهم العمل على كسب شرعية الشعب والمجتمع الدولي، ولعل استخدام المشاعر المعادية لفرنسا الذي يلقى قبولاً جيدًا دائمًا يعد بطاقة جيدة للعب، فالجماهير قد تتجاوب بشكل أقوى مع الخطب والمقالات التي تستخدم المشاعر بشكل فعال، الشيئ الذي يؤكده الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل الذي يرى بأن المشاعر هي المحرك الأكبر للعمل الإنساني، وبالتالي فمن المرجح أن يكون استخدام هذا الخطاب المناهض لفرنسا مجرد خدعة خطابية من مختلف قادة الانقلاب وليس شيئًا يمثل معتقدات سياسية حقيقية، على اعتبار أنه من الصعب تحديد مدى صدق هذا الخطاب، خاصة وأن أولئك الذين وصلوا إلى السلطة هم أنفسهم أعضاء في النخبة وقد احتفظوا بالسلطة بشكل ما لسنوات.

إن المشاكل الاقتصادية التي تواجه المجتمعات الأفريقية اليوم لا تصدق، وبالتالي فإن أي شيء جديد قد يكون شيئا إيجابيا بالنسبة لها، مما يعبد الطريق لأي شخص يعد بتغيير جذري، سواء أتى ذلك الشخص بزي مدني أو بزي عسكري.

يشير عالم النفس الاجتماعي الألماني إريك فروم أثناء تناول مفهوم الأمل الزائف، إلى أن الناس قد يبحثون عن قادة جدد أو نظم جديدة في محاولة للهروب من التوترات والقيود النفسية الناجمة عن الحكم الحالي، حتى لو لم تكن البدائل واضحة، ولعل هذا السبب وراء دعم الجماهير لأي شخص يتولى المسؤولية من الحكومة الحالية ويقدم له نوعًا من الأمل، هذا الأمل وإن كان غالبًا ما يكون وهميا، إلا أنه يشكل لدى الجماهير شعور بأن أي شيء سيكون أفضل مما كان عليه الوضع الحالي.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه المجالس العسكرية قادرة على مقاومة الاحتفاظ بالسلطة لنفسها أو النجاح في إعادة دولها إلى الحكم المدني.

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button