اقلام انفا بريس

في فهم معنى المثقف المتملق.

أنفا بريس  // هشام زهدالي….

أن تظهر المديح وتبسط الثناء بشكل متدفق بغية إرضاء وكسب ود عالم أو مسؤول أو شخصية وازنة معناه أنك تتملق، هكذا يقال : تودد إلى فلان بكلام لين لطيف وتذلل له بلسانه من الإِكرام والود بما ليس في قلبه.

فمنذ القدم والتاريخ يحفل بالمتملقين من الشعراء والكتاب والمداحين وغيرهم، ممن سعوا الى رسم صور مضللة بل وكاذبة لشخصيات معينة بهدف التكسب ونيل الرضا على أعتاب أبوابهم.

هذا وقد أضحى اليوم إيصال التملق للممدوحين أمرا يسيرا بفضل الطفرة التكنولوجية سواء عبر كتابة المقالات في الصحف، أو تدوين التغريدات في الإنترنت، أو إذاعة التصريحات في التلفزيون، أو غير ذلك من آليات إيصال المعلومة، الأمر الذي فسح المجال لتوالد أعداد غفيرة من المتملقين.

هكذا يبقى التذلل، والثناء الكاذب من أبرز خصائص المتملق الذي يتجاوز الحدود في الثناء على المتملق (بفتح اللام)، عن طريق تزكيته وتبرير أخطائه بما يزيل الخطأ عنه ولو كان من شيمه، ناهيك عن الطعن في الآخرين لإبراز موضوع التملق على أساس أنه أفضل من الجميع.

فالتملق والنفاق وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يشتركان في الكذب الذي يمثل الركيزة الأساسية لهما، فالمنافق كاذب حين يقول ما لا يعتقده حقيقة في أعماقه، نفس الأمر بالنسبة للمتملق فإنه يكذب حين يقول عن ممدوحه ما ليس فيه.

إن إقدام الإنسان على بيع، وإسترخاص أمانته وصدقه وكرامته لمجرد تلبية إغواءات طمعه، هو الإبتذال في أبهى تجلياته.

الأكيد أن المثقف المتملق في جميع الأحول يخسر احترام الناس له، وإحترام من يتملقهم.

يبقى المثقف هو الركيزة الأهم في البنية الثقافية، كونه يشكل أهم رافد لها، ويبقيها أكثر تأثيرا على باقي البنى الأخرى في المجتمع، فإن ارتقى المثقف بثقافته إرتقى المجتمع كله، والعكس صحيح بطبيعة الحال، وطالما كان المثقف أساس البنية الثقافية الأهم، فالأمر في شموليته يتأسس على هذه الركيزة، التي إن صحت صح معها المجتمع وإن إنسلت خيوطها، إنهار معها المجتمع.

ولكن طالما كان مرض التزلف وفيروس التملق حاضرا في البنية الاجتماعية، فإنه سينتقل دون شك الى البنية الثقافية، من خلال وسيطها المهم والذي هو المثقف المتملق.

الجدير بالذكر أن هذا النوع من المثقفين، يشكل خطرا كبيرا ليس على بنية الثقافة فحسب، إنما تسري خطورته الى البنى السياسية والاجتماعية، لتزدهر معها حالة التملق وتنمو وتعيش عصرها بألق، ولهذا تسود حالات الغبن والانتهازية ومحاربة الكفاءات، في المجتمع.

إن المثقف المتملق ينتج ثقافة مريضة، راكدة لا تتطور إلا بأساليب التزلف المتعددة، هكذا يؤسس المتملقون لسلسلة من الثقافات يمكن تسميتها بـ السلوكيات المريضة، ومنها مثلا صناعة الطغاة من مسؤولين ومغرورين من العلماء لم يكونو يحلموا يوما أن يصبحوا بحجم أكثر من حجمهم.

وهكذا تتحول الثقافة إلى حاجز أمام تطور المجتمع، بسبب مثقففين متملقين يتقنون المسح على الأكتاف، ويتفننون في الانتهازية، ولا يستطيعون العيش دونها، فاسحين المجال لشيوع ثقافة متلكئة متزلفة، تنمو معها سلوكيات بائسة بين أفراد وجماعات المجتمع، والسبب أصلا، مرض التملق الثقافي.

إن المطلوب راهنا هو معرفة كل من يشترك في ترسيخ هذه الثقافة المريضة.

فالمجاملات المشروعة والتملق كلاهما نقيضان لبعضهما، فلا تعني الكياسة أن تتزلف للآخر قط، ولا تعني المجاملة المطلوبة أن تثني على من لا يستحق الثناء، وهو ما يفعله المثقف المتملق، الذي لابد من محاصرة كينونته.

وفي ذات السياق يمكن الاشارة الى أنه تاريخيًا، استخدم التملق كطريقة للحديث عند مخاطبة الملك أو الملكة، ففي عصر النهضة، كان التملق طريقة معروفة يستعملها الكُتاب لمدح الملك مثل الكاتب إدموند سبنسر عند مدحه للملكة إليزابيث الأولى في (ملكة الجن)، وأيضا كما فعل وليم شكسبير مع الملك جيمس الأول في (مكبث)، وأيضا نيكولو مكيافيلي مع لورينزو الثاني دي ميديشي في كتاب (الأمير).

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button