
المغرب بين الرهانات البيئية وتحديات تغيير المناخ
أنفابريس/إعداد: سفيان نجيح
باحث متخصص في القانون الدستوري
والعلوم السياسية
يعد تغير المناخ التحدي الأكثر عمقا الذي تواجهه النظم الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية، حيث تتسبب أنماط الطقس المتقلبة والمتغيرة في تهديد الأمن الغذائي، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يزيد من خطر الفيضانات الكارثية والمدمرة. لذلك، فإن تداعيات تغير المناخ لا حدود لها من حيث النطاق والحجم، وبقاء الوضع على ما هو عليه دون اتخاذ تدابير عاجلة وإجراءات جذرية قد يجعل من التكيف مع هذه الظواهر في المستقبل مكلفًا.
تعتمد المملكة المغربية على مواردها الطبيعية بشكل كبير، مما يجعلها عرضة بشكل خاص لتأثيرات التغير المناخي، حيث يواجه المغرب مشاكل متفاقمة تتعلق بندرة المياه، انعدام الأمن الغذائي، التصحر، وتآكل السواحل. كما أن الهجرة المناخية تساهم في انتقال السكان إلى المدن الكبرى، مما يزيد من الضغوط على الموارد والبنى التحتية. ومنذ المصادقة على اتفاقيات ريو الثلاث عام 1995، وكذلك على معظم الاتفاقيات المتعددة الأطراف التي تلتها، سلك المغرب مسار التنمية المستدامة وحماية البيئة. وقد تأكد هذا التوجه من جديد خلال مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في جوهانسبرغ عام 2002، بالإضافة إلى استضافة المغرب لمؤتمر الأطراف الثاني والعشرين (COP22) في نوفمبر 2016، حيث جرى التركيز على تفعيل الاتفاقية الدولية بشأن المناخ (COP21).
وفي هذا السياق، تنفذ الحكومة المغربية بالتعاون مع وكالات غير حكومية برامج تهدف إلى مواجهة التغير المناخي، تعزيز البيئة، حماية التنوع البيولوجي، مكافحة التلوث الصناعي، التصحر، وإزالة الغابات. كما يتوفر المغرب على مجموعة من القوانين والسياسات المتعلقة بتغير المناخ التي تؤكد على أهمية حماية البيئة لضمان رفاه الأجيال الحالية والمستقبلية. في عام 2018، كان المغرب رائد القارة الأفريقية على مؤشر الأداء في مجال التغير المناخي، مجددًا التزامه باتفاق باريس بشأن العمل المناخي.
بالإضافة إلى ذلك، دعا المغرب إلى اتخاذ تدابير عاجلة تتماشى مع أهداف أجندة 2030 للتنمية المستدامة (بما في ذلك العمل على تطوير وتعديل منهجي لقرارات التمويل التي تحمل التأثير الأكبر) في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2021 (COP26) الذي عقد في غلاسكو. وشددت المملكة على ضرورة أن تكون هذه التدابير مبتكرة، كافية، ومستدامة لمواجهة التحديات الكبرى وتحقيق خطط وطنية طموحة.
بناءً على ما تم ذكره سابقًا، يمكننا الآن البدء في مناقشة التحديات الرئيسية التي يواجهها المغرب في مجال البيئة وسياسات المناخ على الصعيد الوطني. وبشكل أدق، محاولة الإجابة على السؤال الآتي:
– ما هي الفرص والتحديات التي تواجه السياسة البيئية في المغرب؟
*- الإطار القانوني والسياسي :*
تواجه الحكامة البيئية في المغرب تحديات متعددة تتعلق بالإطار القانوني والتنظيمي. فعلى الرغم من اعتماد مرسوم خاص لتقييم الأثر البيئي، إلا أن تنفيذه يشوبه غياب الانتظام. كما تعاني التشريعات البيئية من بطء في اعتماد المراسيم المكملة، مما يعوق تفعيل عدد من الخطط الوطنية، مثل إدارة المناطق الساحلية، نظام المراقبة البيئية ما زال غير متاح للجمهور، ولا توجد تقارير منتظمة حول انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يعيق الجهود المبذولة في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، لا توجد محاكم بيئية متخصصة، ما يعقد عمليات إنفاذ القوانين البيئية والمساءلة القانونية.
*- الاقتصاد الأخضر وتمويل حماية البيئة :*
لم تحظ الضرائب البيئية في المغرب بتطبيق واسع حتى عام 2021، لا سيما فيما يتعلق بتلوث الهواء، المياه، والنفايات. كما أن الرسوم المفروضة على استخراج المياه لم يتم مراجعتها بعد، مما يؤثر على الجهود المبذولة للحفاظ على الموارد المائية. يواجه المغرب أيضًا تحديات تتعلق بغياب تقارير دورية وشفافة حول الأثر البيئي والمالي للبرامج الوطنية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، مما يعقد عملية تقييم الأداء البيئي وإجراء التعديلات اللازمة.
*- الديمقراطية البيئية :*
لا يزال المغرب يواجه صعوبات في الوصول إلى الديمقراطية البيئية، مع محدودية في جمع ومعالجة البيانات البيئية. بالإضافة إلى ذلك، لا يتم إشراك الفاعلين الإقليميين بشكل كاف في تزويد البوابة الوطنية بالمعلومات الضرورية، مما يؤثر على فعالية قاعدة البيانات البيئية. ورغم تحقيق تقدم ملموس في تعبئة وإشراك المجتمع المدني، إلا أن نقص المهارات التحليلية يمثل عائقًا أمام مشاركتهم الفعالة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوصول إلى العدالة البيئية يواجهه تحديات قانونية وإجرائية، حيث تشير الخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان إلى تدابير للمسؤولية البيئية، ولكن التنفيذ الكامل ما زال يشهد تأخرًا، مما يترك ثغرات في المساءلة.
*- التحديات في حماية الهواء وإدارة المياه :*
يواجه المغرب تحديات كبيرة في حماية الهواء، بما في ذلك نقص في مراقبة جودة الهواء بسبب نظام غير متكامل، مما يجعل من الصعب تحقيق هدف إنشاء 140 محطة مراقبة بحلول عام 2030. كما تواجه إدارة الموارد المائية تحديات عملية تتعلق بالموارد البشرية والمالية لاسيما في مناطق الأحواض المائية، حيث يؤدي الإهمال على مستوى البنية التحتية الهيدروليكية المتقادمة، خاصة في الزراعة، إلى فقدان ملحوظ للمياه. وبالتالي يبرز التغيير المناخي أهمية مراقبة جودة المياه، مما يتطلب مراجعة للمعايير والتشريعات. بالإضافة إلى معالجة نفايات الصرف الصحي بطرق أكثر كفاءة.
*- تحديات إدارة النفايات :*
فيما يتعلق بإدارة النفايات، يواجه المغرب مشكلة في الحصول على بيانات دقيقة، مما يعرقل اتخاذ قرارات مستنيرة. على الرغم من الإقرار بضرورة برامج المسؤولية الموسعة للمنتجين، لم تتحقق بعد نتائج ملموسة في جهود إعادة التدوير. وفي حين تحسنت عمليات جمع النفايات الصلبة، لا تزال معدلات إعادة التدوير متدنية ويعزى ذلك إلى نقص في الحوافز الاقتصادية. كما تعيق تعريفات قديمة لخدمات إدارة النفايات التقدم، فبينما تدار بعض فئات النفايات (مثل الطبية والبلدية) بشكل جيد، فإن فئات أخرى من النفايات تحتاج إلى مزيد من الاهتمام لتجنب مخاطر بيئية بدون معالجة صحيحة.
*- الطاقة المتجددة والاعتماد على الوقود الأحفوري :*
يمتلك المغرب إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن الاعتماد الكثيف على الوقود الأحفوري لازال مستمرا. وعلى الرغم من تحديث المغرب لالتزاماته في مجال التغير المناخي عام 2021، إلا أن هناك نقص في تقييم الآثار الاقتصادية لتغير المناخ وتكاليف التكيف. على الرغم من المشاركة الفعّالة في العديد من الاتفاقيات البيئية، يظل التنفيذ الفعّال للسياسات البيئية يواجه تحديات عدة، خاصة في المجالات البحرية وإدارة المواد الكيميائية الخطيرة والتنوع البيولوجي.
في الختام، يظهر بوضوح أن المغرب رغم اتخاذه خطوات هامة نحو حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي، ما زال يواجه تحديات متعددة على مختلف المستويات. تتطلب هذه التحديات إجراءات منهجية وجذرية لضمان تنفيذ السياسات البيئية بفعالية، مع تعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي وتوفير الموارد اللازمة لدعم الانتقال نحو اقتصاد أخضر مستدام. وعلى الرغم من التقدم المحرز في بعض المجالات، لا يزال هناك حاجة ملحة لتسريع وتيرة الإصلاحات، لا سيما فيما يتعلق بإدارة المياه، جودة الهواء، النفايات، والطاقة المتجددة. من خلال معالجة هذه القضايا بشكل شامل، يمكن للمغرب تعزيز مرونته البيئية وضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة، بما يتماشى مع التزاماته الدولية وطموحاته الوطنية.



