
حينما يئن فقير الضواحي في شتاء تندرارة بلاد الغاز.
أنفابريس // مصطفى عربوشي
تندرارة، تلك البقعة النائية التي احتضنتها الطبيعة في صمت موحش، تعيش تحت وطأة برد قارس يأكل العظام كما تأكل النار الحطب. هنا، لا يُسمع سوى أنين الفقراء وهم يقاومون قسوة الطبيعة ورداءة العيش بقلوب متعبة وعيون تفيض بالألم.
في أزقة تندرارة، تختبئ حكايات الفقر المذقع خلف جدران مهترئة بالكاد تقي من الرياح العاتية. في تلك الأكواخ التي بالكاد تسمى بيوتًا، تجتمع أسر بأكملها حول لهب خافت يلفظ أنفاسه الأخيرة. أطفال صغار تكسوهم الملابس الرثة، ووجوههم الشاحبة تروي معاناة لم يفهموها بعد، لكنها حفرت في ملامحهم خريطة ألم سترافقهم مدى الحياة.
في هذا الصقيع الذي لا يرحم، يحمل الفقراء همومًا ثقيلة، ويجابهون شعارات رنانة أطلقها المسؤولون من أبراجهم العاجية. وعود براقة تهطل في موسم الانتخابات ثم تتبخر مع أول نسمات الشتاء. هنا، لا دفء سوى دفء الأحلام التي تذروها الرياح، ولا حياة سوى حياة معلقة على أمل بعيد، يُطوى كل ليلة مع ارتجاف الجسد تحت غطاء لا يكفي إلا نصفه.
في تندرارة، لا أحد يسمع صرخات الجياع، ولا أحد يبالي بألم الأرامل والمسنين الذين ينامون على الجوع كما ينام الأطفال على أمل الحكايات. المسؤولون في سباتهم العميق لا يرون، ولا يسمعون، ولا يلتفتون. كيف لهم أن يلتفتوا وقد تحصنوا خلف مكاتبهم الوثيرة، ودفنت ضمائرهم تحت أكوام من اللامبالاة؟
هي مأساة تندرارة، مأساة البرد الذي ينهش أجساد الفقراء، ومأساة الأحياء الذين يموتون في صمت، ومأساة الشعارات التي تملأ الآذان بلا صدى. إنها مأساة وطن نسى أبناءه في الظل، وتركهم يواجهون شتاءً لا يرحم وحدهم، بلا غطاء ولا عزاء.
تندرارة، عذراً، فإن بكاءك لا يسمعه سوى السماء



