اقلام انفا بريس

الدار البيضاء… المدينة التي تنزف في صمت

أنفابريس  //

تُعد الدار البيضاء القلب الاقتصادي النابض للمملكة المغربية، وواجهة حضرية لطالما مثّلت رمزية الحداثة، التنوع، والحيوية الثقافية. لكنها، في السنوات الأخيرة، بدت وكأنها تراجع خطوات إلى الوراء، تُقصى من الفعاليات الكبرى واحدة تلو الأخرى، في صمت مطبق من ساكنيها ونخبها.

لم تكن مفاجأة عادية حين تم ترحيل المعرض الدولي للنشر والكتاب من الدار البيضاء إلى الرباط. المعرض، الذي كان يُقام سنويًا في أروقة مكتب المعارض، شكل لعقود موعدًا ثقافيًا لآلاف البيضاويين، خاصة الأطفال الذين كانت لهم ذكريات مع الكتب تنتهي غالبًا بنزهة إلى مسجد الحسن الثاني.

لكن هذا الحدث لم يكن سوى القشة التي فتحت أعين البعض على واقع أعمق: الدار البيضاء تُقصى من الأحداث الكبرى، واحدة تلو الأخرى.

بعد المعرض الدولي للكتاب، جاء الدور على معرض GITEX AFRICA، أكبر تظاهرة تكنولوجية في القارة، والذي اختيرت له مدينة مراكش. ورغم أن مراكش مدينة سياحية عالمية، فإنها تفتقر إلى المقومات الاقتصادية والمالية التي تؤهلها لاستضافة حدث من هذا النوع.

البيضاء، التي تحتضن أكبر البنوك، الشركات، والمقاولات الوطنية والدولية، وتُسهم بـ30% من الناتج الداخلي الخام، تغيب عن هذه المناسبات. لماذا؟

الغريب في الأمر أن كل هذه الأحداث تمر في صمتٍ رهيب، من المنتخبين، الفاعلين المدنيين، وحتى الإعلام المحلي. لا أحد يتساءل، لا أحد يحتج، وكأن البيضاء فقدت القدرة على الدفاع عن مكانتها ومصالحها.

يرى بعض المراقبين أن ضعف التنسيق المحلي، وغياب استراتيجية واضحة لترويج المدينة، والبُطء الكبير في الأشغال (من طرق، نقل، فضاءات عمومية…) ساهم في تراجع ثقة الدولة والفاعلين الدوليين في جاهزية المدينة لاستقبال التظاهرات الكبرى.
بل إن هناك من يعتبر أن البيضاء تحتاج إلى “صدمة خارجية” لتحفيز الإصلاحات.
أحد المواطنين علّق ساخرًا: “أتمنى أن تُقرر الفيفا تنظيم نهائي كأس العالم في البيضاء، فقط لأرى كيف سيتحرك المسؤولون، وكيف ستُنجز المشاريع المتوقفة بسرعة البرق!”

الدار البيضاء ليست فقط عاصمة اقتصادية، بل مدينة لها روح، ذاكرة، وتاريخ. تغييبها عن المشهد الوطني والدولي خسارة للجميع.

المطلوب اليوم ليس البكاء على الأطلال، بل التحرك الجماعي لاسترجاع دور البيضاء الريادي، وضمان أن تكون بالفعل مدينة ذكية، لا فقط في الأوراق الرسمية، بل على أرض الواقع.

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button