
المال العام في مهبّ التسيب: جمعيات تُدار من خلف ستار النفود العائلي
أنفابريس //
لا يختلف اثنان على أن جمعيات المجتمع المدني تضطلع بدور محوري في التنمية المحلية والوطنية، باعتبارها شريكًا في ترسيخ الديمقراطية التشاركية والمساهمة في القضايا الاجتماعية والمجتمعية. غير أن هذا الدور النبيل أصبح، في عدد من الجماعات والمقاطعات، رهينة لأساليب التلاعب والمحسوبية .
في الواقع، تحوّلت بعض الجمعيات إلى واجهات لتصريف الدعم العمومي واستنزاف المال العام، في غياب الشفافية والمساءلة، تحت ستار “العمل الجمعوي”. والأخطر أن هذه الجمعيات غالبًا ما يرتبط مسؤولوها بأقارب أو شركاء رؤساء جماعات ومجالس منتخبة، ما يضعها في قلب شبهة تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
حسب مصادر ميدانية، تحظى هذه الجمعيات بـ”حصانة غير معلنة”، تمكنها من الظفر بأغلب المنح والدعم، سواء من الجماعات الترابية أو عبر شراكات ملتوية. والغريب أن أنشطتها على الأرض تكاد تكون منعدمة، أو تُضخَّم عبر تقارير صورية وأرقام وهمية، تُستخدم فقط لتبرير الأموال المحوّلة.
في سنة 2016 وحدها، خُصصت أزيد من 6.5 مليار درهم لدعم الجمعيات، حسب تقرير رسمي للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني. لكن السؤال الذي لا يزال يُطرح بقوة: أين ذهبت كل هذه الأموال؟ وأين هي مشاريع التنمية التي يُفترض أن تكون ثمرة هذا الدعم السخي؟
الوضع يُنذر بالخطر. لا رقابة صارمة، ولا تتبع حقيقي لمسار صرف الأموال. والمجالس الجماعية تغض الطرف، بل وتشارك أحيانًا في تغذية هذا الوضع، عبر صفقات دعم موجهة ومحسوبة، تمنح الأفضلية لـ”الجمعيات المقرّبة”.
أمام هذا المشهد المقلق، أصبح من اللازم والملحّ أن يتدخّل المجلس الأعلى للحسابات، ويفتح تحقيقات جادة في ملفات الدعم العمومي، وأن يُفعَّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يجب على السلطات الوصية إرساء معايير شفافة وموضوعية لمنح الدعم، بعيدًا عن الولاءات السياسية أو العلاقات العائلية.
إما أن نُعيد الاعتبار للعمل الجمعوي الحقيقي، كقوة اقتراحية وتنموية في خدمة الوطن، وإما أن يستمر هذا التسيب، فتتحوّل الجمعيات من أدوات تنمية إلى قنوات للنهب المقنّن، ووسيلة لتكريس الزبونية والريع في أسمى أشكاله.


